تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصل الدور إلى شاب ملأ الإيمان الخرافي قلبه، وغمره بشوق جنوني إلى تنسم رائحة العارف الكامل الذي وصل إلى مقام (الفرق الثاني). وجاءت الفرحة، فأمسك بيده المرتعشة يد الشيخ القدوسية، وركع أمامه، ثم أهوى عليها يقبلها ويقبلها، وهو لا يشبع من تقبيلها ومن تمريغ وجهه وجبهته عليها. عيل صبر المريد الذي كان خلفه ينتظر دوره، فربت على ظهره طالباً منه الإسراع.

لكن الشيخ الكريم الرحيم العطوف الودود قال لهذا الذي نفد صبره، ناصحاً ومربياً ومعلماً: خليه يرتوي يا ابني خليه يرتوي. وذهبت مثلاً.

* المنظر الثاني:

الوقت بعد العصر، والطقس شديد البرودة، والسيارة الفخمة تقبع في جانب من أحد الأزقة الفرعية، وليس في الشارع سوى أفراد يسرعون الخطا هرباً من البرد.

مر رجل طاعن في السن، ممن امتلأ قلبه إيماناً بالضبابيات والخرافيات الصوفية، ولم يستطع الوصول إلى الجذبة رغم محاولاته.

التفت هذا العجوز نحو السيارة فعرفها، ومن وراء الزجاج المجلل ببخار الماء المتكاثف، لمح داخلها شخصاً فعرفه أيضاً.. وكيف لا؟ إنه شيخه(1) الولي العارف الصديق المقرب المحب المحبوب الواصل القديس المقدس المتحقق بالاسم الأعظم...إلخ. فكان كأنما عثر على كنز الدنيا والآخرة، بل وأعظم من الدنيا والآخرة! فانطلق نحوه دون وعي حتى وقف أمام زجاج السيارة صامتاً خاشعاً، خافضاً رأسه بذلة وخنوع، ماداً نظره الحقير نحو الشيخ يستجديه نفحة من قدوسيته المستسرة.

نظر إليه الشيخ بعينين جامدتين، وأنزل زجاج النافذة بمقدار ما يكفي لإخراج كفه، وأخرجها، فاستلمها العجوز، وقبلها.

ثم سحب الشيخ يده، وأغلق النافذة.

وذهب العجوز لحال سبيله، وهو مفعم بنشوة تغرقه في أعتم ظلمات الخيالات الوثنية، لكنه كان يحس أنه قبل يد الحق (سبحان الله وتعالى عما يشركون).

مشهد شيخي مسجل:

(1) هذا الشيخ أخبره الكشف أنه المهدي المنتظر، وهو منذ سنين كثيرة ينتظر أن يأذن له الكشف بالتحرك.

الكشف عن حقيقة الصوفية · الصفحة ٣١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الكشف عن حقيقة الصوفيةص ٣١٥