...إن الوجود وحدة ظاهِرها الكائنات المتعددة، وباطنها الحقائق المتوحدة المقومة للكل...ولذا نرى أن أخص خصائص الكون، النزوع للترقي: فباطنه ينزع طالباً للظهور، وظواهره تتحول طلباً للاستبطان والخفاء. فالكائنات كلها تمثل على التحقيق دائرة واحدة، مركزها فعال في محيطها، ومحيطها آيل إلى مركزها. تلك الحقيقة العليا هي غرض الدين، وأمنية الفلسفة، وموضع دهشة العلم، وهي نفسها غاية الإنسان الكامل من الوجود، وهي هي بالذات موضوع بحث التصوف الحق(1).
- نسأل هذا العارف: ما هو دليله من الكتاب والسنة على أن وحدة الوجود هي غرض الدين؟؟ ولنتذكر أن مركزها الفعال في محيطها هو محمد صلى الله عليه وسلم.
ومر معنا قول حسن رضوان:
وحسبه من ذلك المقصود ... ... إشراق نور وحدة الوجود
ويقول أحمد الصاوي (المالكي الخلوتي):
...وأما الحقيقة فهي ثمرة الطريقة، من فهم حقائق الأشياء، كشهود الأسماء والصفات وشهود الذات(2)...
ومن الأوراد الخلوتية التي مرت في فصل سابق:
وجُد لي بجمع الجمع فضلاً ومنةً ... ... وداوِ بوصل الوصل روحي من الضنا
ومن علينا يا ودود بجذبة ... ... بها نلحق الأقوام من كان قبلنا
ويقول محمد بن سليمان البغدادي النقشبندي:
...تحقق بالتجربة والعيان لدى أساطين العلم والكشف والشهود والعرفان، من أن الطريقة النقشبندية أقرب وأسهل على المريد للوصول إلى درجات التوحيد، لأن مبناها على التصرف وآلقاء الجذبة المقدمة على السلوك(3)...
- هذه هي غاية التصوف، إنها التحقق بالذات والصفات، إنها وحدة الوجود، التي تشرق بالغيبة عن الحس الطبيعي (الجذبة).
(1) معالم الطريق إلى الله، (ص:116).
(2) الأسرار الربانية والفيوضات الرحمانية، (ص:69).
(3) الحديقة الندية، (ص:12). وكلمة آلقاء لم أجدها فيما بين يدي من معاجم، ولعلها تصحيف من أَلَقات، بمعنى لمعات.