تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى هذا فإن الأمكنة التي تظهر على صفحة العمل الفني صور حبلى بمضامين التجربة النفسية للشاعر وموحية بدخيلة نفسه، ومعبرة عن واقعة مآسي ومباهج، وليست حشواً يجاء به دونما وظيفة أو غناء (1)، فحينما يأنس المرء أحداثاً مبهجة في مكان ما يهش لها فيلقي ظلال نفسه الفرحة على ذلك المكان فيتراىء له جيملاً خلاّبا ينجذب إليه ويتشبث به، ويتبرم بالمكان ويستوحشه إذا غامت أجواؤه وساءت أحداثه، فالنفس الوجلة التي تحس خطراً تضيق بالمكان، بل أن صاحبها ـ تحت وطأة الخوف ـ يرى كل شيء فيه معادياً له متربصاً به، ساعياً إلى كتم أنفاسه، وقد يفرط في الخوف فلا يجد موئلاًُ يحتمي به، ولا منجياً يركن إليه في هذه الأرض على الرغم من رحبها وامتدادها.

عاش العربي، حياة الصحراء، وما الصحراء إلاّ فضاء واسع الأرجاء، كثير المخاطر، عظيم المخاوف، بيد أن العربي كان وثيق الإرتباط شديد الصلة بها، على االرغم مما كانت تثيره في طوايا نفسه من خشية ورهبة، كما أن موهبة الشاعر قبل الإسلام كانت مطواعة سريعة الإستجابة لوصف مشاهدها العاتية ومظاهرها القاسية التي كان يلونها برؤيته ويعكس عليها كوامن وجدانه (2)، وكثيراً ما كان الشاعر يتخذ الصحراء شاهداً على جرأته، وتجسيداً عيانياً على صبره الفذ في احتمال المشاق ومجابهة الظرف العصيب، قال زهير بن أبي سلمى:

(1) نفسه: 153.

(2) ينظر: قراءة جديدة لشعرنا القديم: 43، وصف الطبيعة وتطوره في الشعر العربي: 3.

الخوف في الشعر العربي قبل الإسلام · الصفحة ٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخوف في الشعر العربي قبل الإسلامص ٦٧