وَالْمُرَاد بِهَذِهِ الشَّفَاعَة الْمَسْئُول عَنْهَا هُنَا بَعْض أَنْوَاع الشَّفَاعَة وَهِيَ الَّتِي يَقُول - صلى الله عليه وسلم - " أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَيُقَال لَهُ : أَخْرِجْ مِنَ النَّار مَنْ فِي قَلْبه وَزْن كَذَا مِنَ الْإِيمَان " فَأَسْعَد النَّاس بِهَذِهِ الشَّفَاعَة مَنْ يَكُون إِيمَانه أَكْمَلُ مِمَّنْ دُونه ، وَأَمَّا الشَّفَاعَة الْعُظْمَى فِي الْإِرَاحَة مِنْ كَرْب الْمَوْقِف فَأَسْعَد النَّاس بِهَا مَنْ يَسْبِق إِلَى الْجَنَّة ، وَهُمْ الَّذِينَ يَدْخُلُونَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَهُوَ مَنْ يَدْخُلهَا بِغَيْرِ عَذَاب بَعْدَ أَنْ يُحَاسَب وَيَسْتَحِقّ الْعَذَاب ، ثُمَّ مَنْ يُصِيبُهُ لَفْحٌ مِنَ النَّار وَلَا يَسْقُط . وَالْحَاصِل أَنَّ فِي قَوْله " أَسْعَد " إِشَارَةً إِلَى اِخْتِلَاف مَرَاتِبهمْ فِي السَّبَق إِلَى الدُّخُول بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبهمْ فِي الْإِخْلَاص ، وَلِذَلِكَ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ " مِنْ قَلْبه " مَعَ أَنَّ الْإِخْلَاص مَحَلُّهُ الْقَلْب ، لَكِنَّ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الْجَارِحَة أَبْلَغُ فِي التَّأْكِيد ، وَبِهَذَا التَّقْرِير يَظْهَر مَوْقِع قَوْله " أَسْعَد " وَأَنَّهَا عَلَى بَابهَا مِنَ التَّفْضِيل ، وَلَا حَاجَة إِلَى قَوْل بَعْض الشُّرَّاح الْأَسْعَد هُنَا بِمَعْنَى السَّعِيد لِكَوْنِ الْكُلّ يَشْتَرِكُونَ فِي شَرْطِيَّة الْإِخْلَاص ، لِأَنَّا نَقُول يَشْتَرِكُونَ فِيهِ لَكِنَّ مَرَاتِبَهُمْ فِيهِ مُتَفَاوِتَةٌ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ يَسْتَحِقّ بِهِ الرَّحْمَة وَالْخَلَاص ، لِأَنَّ اِحْتِيَاجه إِلَى الشَّفَاعَة أَكْثَر وَانْتِفَاعه بِهَا أَوْفَى وَاَللَّه أَعْلَم .(1)
- - - - - - - - -
(1) - فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 415)