تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وترى دَومة فيما يرى النائم أن رجلا نزل من السماء،يضيء وجهه ويشرق، وفي يده إناء به شراب أحست أنه من الجنة.... فلعل دَومة أرادت أن تشرب،لكن الرجل السماوي لم يناولْها الإناء،بل أعطاه أبا عبيد زوجَها،ثم جبرًا ابنَهما،ثم رجلا آخر من ثقيف،حتى بلغوا سبعة ... ويرتفع غطاء النوم عن دَومة،فتشعر براحة نفس واطمئنان قلب إلى ما رأت،فتذهب إلى زوجها بالبشرى،ويستمع أبو عبيد إلى زوجته وثغرُه مبتسم،ووجهه مستبشر ناضر،فلما انتهت قال لها: "هذه ـ إن شاء الله ـ الشهادةُ"...

فتدمع عينا الزوجة المُحبة الوفية،فيربت أبو عبيد على كتفها،ويحتضنها في حنان ليخفف عنها.

الشهيد وهو يسير على الأرض قد لا يتفق مع قوانينها،لكنه لا يقدِّم رقبتَه لسيف العدو ويقول لهم خذوني،بل يضع نفسه في مواضع الخطر،ويُطعِم سيفه رقاب عدوِّه حتى ينثني السيف دون أن ينثني هو،فإذا سال دمُه تعطر منه الجو،وقالت له حور الجنة: مرحبا...!

منطق خاصٌّ لا نستطيع معه أن نلوم أبا عبيد لأنه خالف أصحابه،مع أنهم كانوا على صواب،أو قل: كان رأيهم أصوب من رأيه،لكن إن كان يريد الشهادة لنفسه فإنه لم يكن يريد الهزيمة للمسلمين ... قَدَرٌ قدَّره الله تعالى،انتفع به قوم فاستُشهدوا،وانتفع به الفاتحون المسلمون في هذه المنطقة فيما بعد فدقَّقوا اختيارَ المواضع التي يَلْقَوْنَ فيها عدوَّهم ...

وقد تزعم القول بعدم العبور إلى العدو يوم الجسر سَليط بن قيس،والمثنى بن حارثة،ومسلمة بن أسلم،ورأوا أن العبور سيضيِّق عليهم الفرصة للحركة إذا تراجعوا،فلم يملكوا حين أصر القائد أبو عبيد على رأيه إلا طاعته...

تيقنت نفس أبي عبيد بن مسعود الثقفي من نيل الشهادة يوم الجسر بعد رؤيا زوجته،فأخذ يرتب مَنْ يخلُفه إذا هو مات،فرتبهم تبعا لترتيبهم في الشرب من الإناء الذي رأته زوجته في الرؤيا،فبدأ بابنه جبر بن أبي عبيد،ثم رجل آخر من ثقيف،ثم رجل ثالث.. إلى أن عد سبعة،ثم قال:" فإن قُتل،فعلى الناس المثنى".

ولما اشتد منعُ الفيلة للمسلمين من الوصول إلى العدو،وتفريقُها لصفوف أبي عبيد وأصحابه،أمر القائد المسلم بقتل الفيلة ومَنْ يقودها،فكان الرجل يأتى إلى الفيل ويقطع الأحزمة المحيطة به ثم يقلب عنه من يقوده ويقتلهم... وراح أبو عبيد بنفسه يقفز ويثب أمام الفيل الأكبر ذي اللون الأبيض،بحثا عن مقتل يصيبه فيه.. منظر عجيب: رجل يقاتل فيلا!! ويرفع أبو عبيد سيفه ليهوي به على خرطوم الفيل،لكنه يصيب قدمه بدلا من ذلك،فتتحرك ثورة الفيل،ويقذف بأبي عبيد ثم يدوسه بقدمه ليسلم القائد الروح إلى بارئها،فيسارع جبر بن أبي عبيد ويأخذ اللواء،ويقاتل الفيل حتى يتنحى عن أبى عبيد،فأخذ جسده ثم رده إلى المسلمين،وظل جبر يقاتل حتى لحق بأبيه،وتناول اللواءَ بعده رجل من ثقيف،وراءه

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٤٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٤٩٣