تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الجالينوس فقد وصل إلى مواضع القتال بعد أن نزلت الهزيمة المدوِّية بقومه،فنزل باقُسْيَاثا،فنهض إليه أبو عبيد في جيشه وهو على تعبئته واستعداده،لم يمهلْه ولم يعطه فرصة للتفكير،فلقيه في موضعه الذي نزل به فحاقت هزيمة جديدة بالفرس،وفر الجالينوس هاربا!

ها هي فارس ترمي المسلمين من جديد بفلذات أكبادها،فيختار رستم من قادته أشدَّهم على العرب،وأعرفهم بقدراتهم العسكرية وطرقهم القتالية،فيُسَيِّرُ إليهم بهمن جاذويه في جيش جرار تتقدمه الفيلة،وينضم إليه الجالينوس ... وتضع الإمبراطورية في عنق هذا الجيش أمانةً،هى إعادة هيبة فارس الضائعة،فتزوِّده براية كسرى نفسِها وقد صنعوها من جلد النمر ...

أقبل بهمن جاذويه يرفع حاجبيه كِبْرًا حتى نزل قَس الناطف،فعسكر أبو عبيد أمامه على ضفة الفرات الأخرى بالمَرْوَحة،ويدعو الفرسُ أبا عبيد إلى أن يعبر إليهم أو يعبروا هم إليه،فيعاملهم بشوق الشهيد إلى الشهادة،لا بترتيب القائد لساحة المعركة،فاختار أن يعبر إليهم مخالفا رأى ذوي الخبرة والعارفين بقتال الفرس ...

وعلى الضفة الأخرى كان المكان ضيقا،فامتلأت الأرض بالناس،ونظر أبو عبيد إلى عدوه فاستهان به وبالموت،ورتب مَنْ يخلفه إذا مات؛ لرؤيا رأتْها زوجتُه.

ويلتحم الجيشان وسيوف المسلمين مشتاقة إلى هذه الرقاب المتكبرة،ولكن الفيلة وقفت مانعا دون تقدم خيل المسلمين،فالفَرَسُ لا يرى فيلاً إلا نفر وتراجع.. كما أعطت الأفيال للعدو فرصة أن يطعنوا المسلمين بالنشاشيب،فأصابوا فيهم جراحات كثيرة ... فينزل القائد أبو عبيد والمسلمون معه عن ظهور الخيل ليصلوا إلى مقاتل العدو على أقدامهم فقتلوا في العدو قتلا ذريعا،لكن تظل الفيلة عقبة هائلة أمام المسلمين،فيأمر القائد بقتلها،لتقع مواجهةٌ شرسةٌ مع الفيلة غيَّرت مسار المعركة لصالح الفرس،حيث استُشهد القائد البطل أبو عبيد،وسبعة من قومه استلموا اللواء بعده،فأحبط المسلمون،وتَمكَّن منهم الفرس،ففر المسلمون نحو الجسر،ليعبروه فوجدوه قد قطع والفرس تتبعهم وغرق في الفرات كثير من المسلمين،حتى استلم اللواء المثنى بن حارثة،فأنقذ الله به مَنْ بقي من المسلمين يوم الجسر،حتى انسحب بمن بقي معه إلى الحيرة،ثم إلى أُلَّيس جنوبا ليُفلت من مطاردة الفرس.

وكان يوم الجسر في شعبان سنة ثلاث عشرة للهجرة.

ملأت الحرب على أبي عبيد حياته،حتى اصطحب معه إلى العراق أهله وأولاده،فكانت الحرب وأعمالها هى شاغلهم في يقظتهم،وصاحبةَ أحلامِهم في نومهم،وها هى دَومة زوج أبي عبيد تنام من الليل وقد دنا موعد حرب جديدة للمسلمين مع أهل فارس،وكم رَجَتْ في لحظات اليقظة الأخيرة أن ينتصر المسلمون ويرجع زوجها وابنها... وهنا تُغمِض عينيها وتُسلمهما للنوم قبل أن تكتمل الأمنية ...

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٤٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٤٩٢