والله تبارك وتعالى خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته، والإنابة إليه، ومحبته، والإخلاص له.
فبذكره سبحانه تطمئن قلوبهم (1)، وتسكن نفوسهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ويتم نعيمهم.
فلا يعطيهم سبحانه في الآخرة شيئاً خيراً لهم، ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم من النظر إليه، وسماع كلامه منه، ورضوانه عليهم (2).
ولم يعطهم في الدنيا شيئاً خيراً لهم، ولا أحب إليهم، ولا أقر لعيونهم من الإيمان به، ومحبته والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، والتنعم بذكره وعبادته. (3)
وحاجة العباد إلى ربهم في عبادتهم إياه أعظم من حاجتهم إليه في خلقه لهم، ورزقه إياهم، ومعافاة أبدانهم.
فإن العبادة هي الغاية المقصودة لهم، ولا صلاح ولا سعادة لهم بدون ذلك.
والله تبارك وتعالى يريد من خلقه أن يعرفوا أطيب ما في الدنيا .. وأطيب ما في الآخرة .. فيقبلون عليه علماً وعملاً.
ويعرفوا شر ما في الدنيا .. وشر ما في الآخرة .. فيحذروه ويجتنبوه.
والأصل هو القلب، فإن كان صالحاً صلحت أعمال الجوارح، وإن كان فاسداً
(1) - قال تعالى: ﴿ .. أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (28) سورة الرعد
(2) - قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾ [القيامة/22 - 24]
(3) - ففي صحيح البخارى برقم (6549) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. يَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا يَا رَبِّ وَأَىُّ شَىْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِى فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».