يقول الإمام الشاطبي موضحًا الموقف الإسلامي "العوائد المستمرة ضربان : أحدهما ـ العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها, ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا أو نهى عنها كراهةً أو تحريمًا , أو أذن فيها فعلاً وتركًا , والضرب الثاني هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.. فأما الأول فثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية , كما قالوا في سلب العبد أهلية الشهادة وفى الأمر بإزالة النجاسات .. وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس إما حسنة عند الشارع أو قبيحة , فإنها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع فلا تبديل لها وإن اختلفت آراء المكلفين بها ؛ فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحًا , ولا القبيح حسنًا , حتى يقال مثلاً : إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنجزه ! أو إن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح فلنجزه ! .. أو غير ذلك ؛ إذ لو صح مثل هذا لكان نَسخا للأحكام المستقرة المستمرة , والنسخ بعد موت النبي (صلى الله عليه وسلم) باطل"(1)
والشرائع والقيم الخلقية من قبيل الضرب الأول : فكل قيمة خلقية إسلامية قد أقرها دليل شرعي , ومن القيم الخلقية ما أمر به الشرع إيجابًا كبر الوالدين , والرحمة بالمرضى والضعاف , والصدق في الشهادة , والثبات يوم الزحف ,, ومنها ما أمر به الشرع ندبًا كالعفو , وبر الجار , والوفاء للصديق , وإصلاح ذات البين .
فكل القيم الخلقية داخلة تحت أحكام الشرع ومن ثم فهي ثابتة أبدًا ولا تبديل لها وإن اختلفت الأزمان والأماكن والآراء .. ودعاوى تطويرها أو تبديلها أو هجرها كلها دعاوى باطلة .