خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف والله المستعان (1).
وقال أيضا: " فبالصبر وَالْيَقِين تنَال الْإِمَامَة فِي الدّين، فَقيل بِالصبرِ عَن الدُّنْيَا، وَقيل بِالصبرِ على الْبلَاء، وَقيل بِالصبرِ عَن المناهي، وَالصَّوَاب أَنه بِالصبرِ عَن ذَلِك كُله بِالصبرِ على أَدَاء فَرَائض الله وَالصَّبْر عَن مَحَارمه وَالصَّبْر على أقداره وَجمع سُبْحَانَهُ بَين الصَّبْر وَالْيَقِين إِذْ هما سَعَادَة العَبْد وفقدهما يفقده سعادته فَإِن الْقلب تطرقه طوارق الشَّهَوَات الْمُخَالفَة لأمر الله وطوارق الشُّبُهَات الْمُخَالفَة لخبره فبالصبر يدْفع الشَّهَوَات وباليقين يدْفع الشُّبُهَات فَإِن الشَّهْوَة والشبهة مضادتان للدّين من كل وَجه فَلَا ينجو من عَذَاب الله إِلَّا من دفع شهواته بِالصبرِ وشبهاته بِالْيَقِينِ وَلِهَذَا أخبر سُبْحَانَهُ عَن حبوط أَعمال أهل الشَّهَوَات والشبهات فَقَالَ تَعَالَى ﴿كَالَّذِين من قبلكُمْ كَانُوا أَشد مِنْكُم قُوَّة وَأكْثر أَمْوَالًا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كَمَا استمتع الَّذين من قبلكُمْ بخلاقهم وخضتم كَالَّذي خَاضُوا﴾ فَهَذَا الِاسْتِمْتَاع بالخلاق هُوَ استمتاعهم بنصيبهم من الشَّهَوَات ثمَّ قَالَ ﴿وخضتم كَالَّذي خَاضُوا﴾ وَهَذَا هُوَ الْخَوْض بِالْبَاطِلِ فِي دين الله وَهُوَ خوض أهل الشُّبُهَات ثمَّ قَالَ ﴿أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ فعلق سُبْحَانَهُ حبوط الْأَعْمَال والخسران بِاتِّبَاع الشَّهَوَات الَّذِي هُوَ الِاسْتِمْتَاع بالخلاق وباتباع الشُّبُهَات الَّذِي هُوَ الْخَوْض بِالْبَاطِلِ " (2).
ثامناً: رفعُ مكانتهِم في الدارين:
قال تعالى: ﴿ .. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ .. ﴾ (11) سورة المجادلة.
فهم أعلى الخلقِ درجةً عند الله وعندَ عبادهِ في الدنيا والآخرة، وإنما نالوا هذه الرفعةَ بإيمانهِم الصحيحِ وعملِهم ويقينهِم، والعلمُ واليقينُ من أصولِ الإيمانِ. (3)
(1) - التبيان في أقسام القرآن (ص: 87) وعدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 72)
(2) - رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه (ص: 16)
(3) - انظر: التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (ص: 93)