2 - ولأنَّ البلغاءَ جزموا بأن الاستعارةَ أبلغُ من الحقيقةِ ، فإن لم يكن نقل الاسم تابعاً لنقل المعنى، لم يكن فيه مبالغةٌ، إذ لا مبالغةَ في إطلاقِ الاسم المجردِ عن معناه.
التنبيه السابع- ظهرَ أنَّ الاستعارةَ باعتبار اللفظ نوعان أصليةٌ وتبعيةٌ.
فالأصلية: ما كان فيها المستعارُ اسمَ جنسٍ غيرَ مشتقٍّ، سواءٌ أكان اسمَ ذاتٍ كأسد للرجل الشجاع، أم اسمَ معنى، كقتلَ للإذلالِ، وسواء أكان اسمَ جنسٍ حقيقةً كأسدِ وقتلٍ، أم تأويلاً كما في الأعلامِ المشهورةِ بنوع من الوصفِ كحاتم في قولك: رأيتُ اليومَ حاتماً، تريد رجلاً كاملَ الجودِ ، فاعتبر لفظُ حاتمٍ في قوة الموضوعِ لمفهومٍ كليٍّ، حتى كادَ يغلبُ استعماله في كلِّ من له وصفُ حاتم، فكما أنَّ أسداً يتناول الحيوان َالمفترسَ والرجلَ الشجاعَ: كذلك حاتمُ يتناول الطائيُّ وغيره ادعاءً، ويكون استعمالُه في الطائيِّ حقيقةً، وفي غيره مجازاً، لأن الاستعارةَ مبنيةٌ على ادعاءِ أنَّ المشبَّه فردٌ من أفراد المشبَّه به، فلابد أن يكون المشبَّه به كلياً ذا أفرادٍ.
والمرادُ باسم الجنسِ غيرِ المشتقِّ ما صلُحَ لأنْ يصدقَ على كثيرينِ من غير اعتبارِ وصفٍ من الأوصاف في الدلالةِ.
وليس العلمُ الشخصيُّ واسمُ الإشارة والضميرُ والموصولُ من الكلياتِ، فلا تصحُّ أن تجرَى فيها الاستعارةُ الأصليةُ.
أما المشتقُّ فالصفةُ جزءٌ من مدلولهِ وضعاً، لأنه موضوعٌ لذاتٍ متصفةٍ بصفةٍ، فكريم ٌموضوع ٌلذاتٍ متصفةٍ بالكرمِ، وقتيلٌ موضوعٌ لذاتِ متصفةٍ بوقوع القتل عليها.
و قد اعتبرتِ الأعلامُ التي تتضمن معنى الوصفِ اسمَ جنس تأويلاً ،ولم تعتبرْ من قبيل المشتقِّ، لأنَّ الوصفَ ليس جزءاً من معناها وضعاً، بل هو لازمٌ له، غيرُ داخلٍ في مفهومه، فحاتمُ لم يوضعْ للدلالة على الجودِ ولا على ذاتٍ متصفةٍ به، ولكنَّ الجودَ عرَضٌ له.ولزمَهُ فيما بعدُ.
التنبيه الثامن- التبعيةُ ماكان فيها المستعارُ مشتقًّا، ويدخل في هذا: الفعلُ والاسمُ المشتق، والحرفُ.
فاستعارة الفعل ، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴾ (11) سورة الحاقة ،
يقالُ: شبَّه زيادة الماء زيادةً مفسدةً، بالطغيانِ، بجامعِ مجاوزة الحدِّ في كلَّ، وادعى أنَّ المشبَّه فردٌ من أفرادِ المشبَّه به، ثم استعيرَ المشبَّه به للمشبَّه: على سبيل الاستعارةِ التصريحيةِ الأصليةِ، ثم اشتقَّ من الطغيانِ بمعنى الزيادة طغى بمعنى زادَ، وعلا; على سبيل الاستعارةِ التصريحيةِ التبعيةِ.
ونحو قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا ..﴾ (168) سورة الأعراف، ونحو قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (24) سورة الانشقاق،
التنبيه التاسع- قد يستعملُ لفظُ الماضي موضعَ المضارع، بناء على تشبيهِ المستقبلِ المحققِ، بالماضي الواقعِ، بجامعِ تحققِ الوقوع في كل، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ...﴾ (21) سورة فصلت.
و قد يعبَّرُ بالمضارعِ عن الماضي، بناءً على تشبيهِ غير الحاضر بالحاضرِ في استحضارِ صورتهِ الماضيةِ، لنوع غرابةٍ فيها.نحو: قوله تعالى : ﴿.. قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ..﴾ (102) سورة الصافات
ونحو: إنما أصادقُ الأصمَّ عن الخنَى، وأجاور الأعمى عن العورات، ونحو: فلسانُ حالي بالشكايةِ أنطقُ: أي أدلُّ.و نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ..﴾ (52) سورة يس .ونحو: جئت بمقتالك : أي بالآلة التي أضربك بها ضرباً شديداً.
التنبيه العاشر- مدارُ قرينة التبعية في الفعل والمُشْتق على ما تأتي:
1 - على الفاعل: نحو قوله تعالى : ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴾ (11) سورة الحاقة ، ونطقتِ الحالُ بكذا .
2- أو على نائبهِ، نحو قوله تعالى : ﴿..وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ..﴾ (61) سورة البقرة
3 -أو على المفعول به، نحو قول ابن المعتز (1):
جُمِعَ الحقُّ لنا في إمامٍ، قتلَ البخلَ ، وأحيا السماحا
4 -أو على المفعول به الثاني ،نحو قول كعب بن زهير (2):
صَبَحْنا الخَزْرَجِيَّةَ مُرْهَفاتٍ أَبارَ ذَوِي أَرُومَتِها ذَوُوها
5 - أو على الفاعل والمفعولين، كقول الشاعر (3):
تَقري الرياحُ رياض الحزن مزهرة إذا سرى النومُ في الأجفان إيقاظَا
6 - أو على مفعولين، كقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا ...﴾ (168) سورة الأعراف
7 - أو على المجرور، نحو قوله تعالى : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (94) سورة الحجر ونحو قوله تعالى : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ (18) سورة الأنبياء.
(1) - نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 2 / ص 282) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 11 / ص 289) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 96) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 180)
(2) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 59) ولسان العرب - (ج 15 / ص 364) والمفصل في صنعة الإعراب - (ج 1 / ص 18) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 57) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 57)
(3) - الإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 96) ومفتاح العلوم - (ج 1 / ص 169)