تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «صَلاَةٌ فِى مَسْجِدِى هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» (1).

وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «صَلاَةٌ فِى مَسْجِدِى هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلاَةٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلاَةٍ فِى هَذَا» (2).

وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَفْضِيل الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ عَلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ.

وَاسْتَدَل مَالِكٌ بِأَدِلَّةٍ فِي فَضْل الْمَدِينَةِ (3) مِنْهَا مَا سَبَقَ إِنَّ الايمَانَ لَيَارِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ (4) وَأَنَّهَا الْقَرْيَةُ الَّتِي تَاكُل الْقُرَى (5)، فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى زِيَادَةِ فَضْل الْمَدِينَةِ عَلَى

(1) - صحيح البخارى (1190) ومسلم (3441)

(2) - مسند أحمد (16546) صحيح

(3) - وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 4 / ص 191):

وَرَوَى اِبْن عَبْد اَلْبَرّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن يَحْيَى اَللَّيْثِيّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْد اَللَّه بْن نَافِع عَنْ تَاوِيلِ هَذَا اَلْحَدِيثِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ فَإِنَّ اَلصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي أَفْضَل مِنْ اَلصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ أَلْفِ صَلَاة، قَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ: لَفْظ دُون يَشْمَلُ اَلْوَاحِد فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ اَلصَّلَاة فِي مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ أَفْضَل مِنْ اَلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِتِسْعمِائَة وَتِسْع وَتِسْعِينَ صَلَاة، وَحَسْبُك بِقَوْلٍ يُؤَوَّلُ إِلَى هَذَا ضَعْفًا. قَالَ: وَزَعَمَ بَعْض أَصْحَابِنَا أَنَّ اَلصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ أَفْضَل مِنْ اَلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِمِائَةِ صَلَاة، وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَان بْن عَتِيق عَنْ اِبْن اَلزُّبَيْر عَنْ عُمَر قَالَ " صَلَاة فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام خَيْر مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ " وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ اَلْمَحْفُوظَ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ بِلَفْظ " صَلَاة فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا مَسْجِد اَلرَّسُولِ فَإِنَّمَا فَضَّلَهُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ صَلَاة " وَرَوَى عَبْد اَلرَّزَّاق عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَان بْن عَتِيق وَعَطَاء عَنْ اِبْن اَلزُّبَيْر أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ يَقُولُ " صَلَاة فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَام خَيْر مِنْ مِائَةِ صَلَاة فِيهِ " وَيُشِيرُ إِلَى مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى اَلْجُهَنِيّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْن عُمَر مَا يُؤَيِّدُ هَذَا وَلَفْظه كَلَفْظِ أَبِي هُرَيْرَة وَفِي آخِرِهِ " إِلَّا اَلْمَسْجِد اَلْحَرَام فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِمِائَةِ صَلَاة " وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى اَلْمَدِينَةِ لِأَنَّ اَلْأَمْكِنَةَ تُشَرَّفُ بِفَضْلِ اَلْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا تَكُونُ اَلْعِبَادَة فِيهِ مَرْجُوحَة وَهُوَ قَوْلُ اَلْجُمْهُورِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِك، وَبِهِ قَالَ ابْن وَهْب وَوَمُطَرِّف وَابْن حَبِيب مِنْ أَصْحَابِهِ، لَكِنَّ اَلْمَشْهُورَ عَنْ مَالِك وَأَكْثَر أَصْحَابِهِ تَفْضِيل اَلْمَدِينَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِيَاضِ اَلْجَنَّةِ " مَعَ قَوْلِهِ " مَوْضِع سَوْط فِي اَلْجَنَّةِ خَيْر مِنْ اَلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " قَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ: هَذَا اِسْتِدْلَالٌ بِالْخَبَرِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ وَلَا يُقَاوِمُ اَلنَّصّ اَلْوَارِد فِي فَضْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْد اَللَّه بْن عَدِيّ بْن اَلْحَمْرَاء قَالَ " رَأَيْت رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا عَلَى اَلْحَزْوَرَةِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ إِنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اَللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْض اَللَّهِ إِلَى اَللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْتُ " وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ اَلسُّنَنِ وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ: هَذَا نَصٌّ فِي مَحَلّ اَلْخِلَاف فَلَا يَنْبَغِي اَلْعُدُولُ عَنْهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ. وَقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذَا اَلْقَوْلِ كَثِير مِنْ اَلْمُصَنِّفِينَ مِنْ اَلْمَالِكِيَّةِ، لَكِنْ اِسْتَثْنَى عِيَاض اَلْبُقْعَة اَلَّتِي دُفِنَ فِيهَا اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَى اَلِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ اَلْبِقَاعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ اَلْمَذْكُورِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اَلْفَضْلُ لِلْعَابِدِ. وَأَجَابَ اَلْقَرَافِيّ بِأَنَّ سَبَبَ اَلتَّفْضِيلِ لَا يَنْحَصِرُ فِي كَثْرَةِ اَلثَّوَابِ عَلَى اَلْعَمَلِ بَلْ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهَا كَتَفْضِيلِ جِلْد اَلْمُصْحَف عَلَى سَائِرِ اَلْجُلُودِ، وَقَالَ اَلنَّوَوِيّ فِي شَرْحِ اَلْمُهَذَّبِ: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا نَقْلًا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ: إِنَّمَا يُحْتَجُّ بِقَبْرِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ فَضْلَهَا، أَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَفْضَل بَعْدَ مَكَّةَ مِنْهَا فَقَدْ أَنْزَلَهَا مَنْزِلَتَهَا. وَقَالَ غَيْره: سَبَبُ تَفْضِيلِ اَلْبُقْعَةِ اَلَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ اَلشَّرِيفَة أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ اَلْمَرْءَ يُدْفَنُ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلَّتِي أُخِذَ مِنْهَا تُرَابُهُ عِنْدَمَا يُخْلَقُ رَوَاهُ اِبْن عَبْد اَلْبَرّ فِي أَوَاخِرِ تَمْهِيدِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاء اَلْخُرَاسَانِيِّ مَوْقُوفًا، وَعَلَى هَذَا فَقَدَ رَوَى اَلزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ اَلتُّرَابَ اَلَّذِي خُلِقَ مِنْهُ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تُرَاب اَلْكَعْبَة، فَعَلَى هَذَا فَالْبُقْعَة اَلَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ مِنْ تُرَاب اَلْكَعْبَة فَيَرْجِعُ اَلْفَضْلُ اَلْمَذْكُورُ إِلَى مَكَّةَ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَضْعِيف اَلصَّلَاة مُطْلَقًا فِي اَلْمَسْجِدَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اَلنَّقْلُ عَنْ اَلطَّحَاوِيّ وَغَيْره أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصّ بِالْفَرَائِضِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَفْضَل صَلَاة اَلْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا اَلْمَكْتُوبَة " وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا مَانِعَ مِنْ إِبْقَاء اَلْحَدِيث عَلَى عُمُومِهِ فَتَكُونُ صَلَاة اَلنَّافِلَةِ فِي بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهَا فِي اَلْبَيْتِ بِغَيْرِهِمَا وَكَذَا فِي اَلْمَسْجِدَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ فِي اَلْبُيُوتِ أَفْضَل مُطْلَقًا. ثُمَّ إِنَّ اَلتَّضْعِيفَ اَلْمَذْكُورَ يَرْجِعُ إِلَى اَلثَّوَابِ وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى اَلْإِجْزَاءِ بِاتِّفَاقِ اَلْعُلَمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ اَلنَّوَوِيّ وَغَيْره، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي أَحَدِ اَلْمَسْجِدَيْنِ صَلَاةً لَمْ تُجْزِهِ إِلَّا عَنْ وَاحِدَة وَاَللَّه أَعْلَمُ.

(4) - صحيح البخارى (1876) ومسلم (391) - يأرز: ينضم ويجتمع

(5) - البخاري (1871) ومسلم (3419)

الخلاصة في أحكام الحج والعمرة · الصفحة ٣٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام الحج والعمرةص ٣٤٦