وَمِنْهَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ زَارَ قَبْرِى وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِى». (1).
فَاسْتَدَل بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِهَذِهِ الادِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ زِيَارَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِي الاحَادِيثِ الاخْرَى مِنَ الْحَضِّ أَيْضًا.
وَحَمَلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، وَلَعَل مَلْحَظَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الادِلَّةَ تُرَغِّبُ بِتَحْصِيل ثَوَابٍ أَوْ مَغْفِرَةٍ أَوْ فَضِيلَةٍ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِوَسَائِل أُخَرَ، فَلاَ تُفِيدُ هَذِهِ الادِلَّةُ الْوُجُوبَ.
قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ: وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَفَضِيلَةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا (2).
فَضْل زِيَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
4 - دَلَّتِ الدَّلاَئِل السَّابِقَةُ عَلَى عَظَمَةِ فَضْل زِيَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَزِيل مَثُوبَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ أَهَمِّ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ وَالْقُرُبَاتِ النَّافِعَةِ الْمَقْبُولَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَبِهَا يَرْجُو الْمُؤْمِنُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتَهُ وَتَوْبَتَهُ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَبِهَا يَحْصُل الزَّائِرُ عَلَى شَفَاعَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ فَوْزٍ.
وَعَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فِي كَافَّةِ الْعُصُورِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَالسِّنْدِيُّ وَابْنُ الْهُمَامِ.
قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّهَا مِنْ أَفْضَل الاعْمَال وَأَجَل الْقُرُبَاتِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى ذِي الْجَلاَل، وَإِنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مَحَل إِجْمَاعٍ بِلاَ نِزَاعٍ.
وَكَذَلِكَ قَال الْقَسْطَلاَّنِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ زِيَارَةَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَأَرْجَى الطَّاعَاتِ، وَالسَّبِيل إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ. (3)
آدَابُ زِيَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5 - أ - أَنْ يَنْوِيَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَيْضًا لِتَحْصِيل سُنَّةِ زِيَارَةِ الْمَسْجِدِ وَثَوَابِهَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ تُشَدُّ
(1) - شعب الإيمان للبيهقي (4000) وسنن الدارقطنى (2727) وهو حسن لغيره وقد مر تخريجه مفصلا
(2) - الشفا نسخة شرحه لعلي القاري 2/ 148 - 149.
(3) - المرجع السابق وفتح الباري 3/ 43، والمواهب اللدنية 2/ 504