وَيُكَرِّرُ كُل دُعَاءٍ يَدْعُو بِهِ ثَلاَثًا، وَيَسْتَفْتِحُ الدُّعَاءَ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَخْتِمُهُ بِذَلِكَ، وَبِآمِينَ، وَيَسْتَمِرُّ هَكَذَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيُلَبِّي فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ سَاعَةً فَسَاعَةً، وَلْيُحَافِظْ عَلَى طَهَارَةِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَلْيَتَبَاعَدْ عَنِ الْحَرَامِ فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَلُبْسِهِ وَرُكُوبِهِ وَنَظَرِهِ وَكَلاَمِهِ، وَكُل أَمْرِهِ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ كُل الْحَذَرِ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ فُلاَنٌ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ عَرَفَةَ - قَالَ - فَجَعَلَ الْفَتَى يُلاَحِظُ النِّسَاءَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ - قَالَ - وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَصْرِفُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ مِنْ خَلْفِهِ مِرَاراً - قَالَ - وَجَعَلَ الْفَتَى يُلاَحِظُ إِلَيْهِنَّ قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «ابْنَ أَخِى إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ» (1). .
وَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَفَاضَ الامَامُ - أَيْ سَارَ - مِنْ عَرَفَةَ وَسَارَ النَّاسُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَخُّرٍ، وَعَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ فِي بَاطِنِ نُفُوسِهِمْ، وَالْوَقَارُ؛ أَيِ الرَّزَانَةُ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنْ وَجَدَ سَعَةً فِي الطَّرِيقِ أَسْرَعَ بِلاَ إِيذَاءٍ، مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي سَيْرِهِ مُلَبِّيًا مُكَبِّرًا مُهَلِّلاً مُسْتَغْفِرًا دَاعِيًا مُصَلِّيًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَاكِرًا كَثِيرًا، بَاكِيًا أَوْ مُتَبَاكِيًا، وَيَدْعُو اللَّهَ أَلاَّ يَجْعَلَهُ آخِرَ الْعَهْدِ بِعَرَفَةَ. وَيَظَل عَلَى الذِّكْرِ وَالْخُشُوعِ حَتَّى يَصِل إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَلاَ يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ، وَلاَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَلاَ الْعِشَاءَ حَتَّى يَدْخُل الْمُزْدَلِفَةَ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ أَدَّى رَكْنَ الْوُقُوفِ تَامًّا بِفَضْل اللَّهِ تَعَالَى. (2)
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى طَرِيقِ الْمَازِمَيْنِ، لأَِنَّهُ روي عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا كَانَ حِينَ رَاحَ رُحْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَى الإِمَامَ فَصَلَّى مَعَهُ الأُولَى وَالْعَصْرَ ثُمَّ وَقَفَ مَعَهُ وَأَنَا وَأَصْحَابٌ لِى حَتَّى أَفَاضَ الإِمَامُ فَأَفَضْنَا مَعَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَضِيقِ دُونَ الْمَازِمَيْنِ فَأَنَاخَ وَأَنْخَنَا وَنَحْنُ نَحْسِبُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّىَ فَقَالَ غُلاَمُهُ الَّذِى يُمْسِكُ رَاحِلَتَهُ إِنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُ الصَّلاَةَ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا انْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَكَانِ قَضَى حَاجَتَهُ فَهُوَ يُحِبُّ أَنَّ يَقْضِىَ حَاجَتَهُ. (3)، وَإِنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الاخْرَى جَازَ. (4)
(1) - مسند أحمد (3097) صحيح
(2) - هداية السالك 3/ 1021 - 1028، والإيضاح ص285، والفتاوى الهندية 1/ 229.
(3) - مسند أحمد (6295) صحيح
(4) - المغني لابن قدامة 3/ 418، والإيضاح ص271، وابن عابدين 2/ 176.