وإذا كان كل جزء منا يشهد أنه لم يخلق عبثاً وأن الله قد خلق الإنسان لحكمة، وإذا كانت الحكمة من خلق الإنسان لم تظهر جلية في هذه الحياة الدنيا. فإن العقول لتستنتج أن الحكمة لابد ظاهرة في حياة أخرى هي تلك الحياة التي تسير إليها أجيال البشر جيلاً بعد جيل. وما أشبه هذه الحياة الدنيا بحياة الجنين في بطن أمه. فلو أن ذلك الجنين تفكر في نفسه: لماذا تصنع لي العينان اللتان لا انتفاع بهما الآن (في رحم الأم)؟ لماذا تصنع لي الرئتان اللتان لا قيمة لهما الآن (في رحم الأم)؟ بل لماذا تصنع لي اليدان والقدمان والمعدة والأمعاء والكبد والكلى والأذنان والأنف والفم ولا فائدة لي الآن (في رحم الأم) من كل هذا التكوين ؟! لكنه لو انتظر حتى يخرج من عالم الرحم إلى عالم الأرض لعرف أنه ما من شيء إلا وله حكمة، غير أنها غابت عنه في عالم الرحم ، ولو أنه كان للرحم وعي أو إدراك لأخذ يتساءل : أين ذهب الجنين عند ولادته؟ وسيجد الجواب على حسب علمه المحدود أنه قد ذهب سدى ، لكنه لو قدر له أن يرى ذلك الجنين وهو يسير في الأرض ويعمرها لعرف أن ذلك الجنين ما ذهب سدى . ألا ما أشبه طورنا في هذه الحياة الدنيا، بطور حياتنا في رحم الأم وما أشبه الموت بالولادة، وما أشبه الخروج من الدنيا بالخروج من الرحم!!
قال تعالى :?يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا?[الحج: 5] .