تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذي خلق الناس وجاء بهم إلى الدنيا قد بين لهم حقيقة أمرهم بواسطة رسل أيدهم بالمعجزات ، وبين لهم أنه لم يخلقهم عبثاً، فما من جزء من الإنسان أو خيله أو عرق فيه إلا وقد خلق لحكمة، ولا شك إذن أن الإنسان بأجمعه قد خلق لحكمة ولم يخلق عبثاً ، والحكمة هي استخلافهم في الأرض لعبادة خالقهم فيعملون فيها بما يأمرهم، وينتهون عما ينهاهم فمن أطاع خالقه فقد استحق الثوابت ، ومن تكبر عصى فقد استحق العقاب وليست الدنيا دار الجزاء وإنما هي الدار الأخرى ، وإذا كانت الولادة هي الطريق إلى الدنيا فقد جعل الله الموت هو الطريق إلى الأخرى ليتم الجزاء على ما عمل ، وكل الأعمال محفوظة ، ولقد ثبت أخيراً أنه ما من صوت من الأصوات ولا عمل من الأعمال ولا حركة من الحركات إلا وهي مسجلة في سجل الكون ومدونة في كتاب الوجود.

قال تعالى :?وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ?[الزلزلة : 4-6] .

وقد جعل الله للإنسان مهلة كافية في هذه الدنيا عدلاً منه ورحمة .

وإذا كانت الحكمة من خلق الإنسان هي العبادة فإن هذه الحياة ليست إلا امتحاناً ، وقد يمتحن الله عباده بالشدائد ليظهر بذلك صدق الإيمان فالمريض يصبر ويحتسب ذلك لله .

وقد يمتحنهم بالخير وهو أشد من الامتحان بالشدائد ، ولكن المؤمن لا يزلزله الامتحان بالشدائد كما أنه لا يطغيه الامتحان بالخير .

ويأتي الموت وهو الخروج من دار العمل ، ودخول إلى دار الجزاء ، وكما دخلنا الدنيا فرادى لا نملك شيئاً ، كذلك نخرج منها

الخالق · الصفحة ٢٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخالقص ٢٢٩