أولاً : منذ أن قامت دولة التوحيد ، على يد خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم بقيت عقيدة التوحيد ، تستمد قدسيتها من وحي الله وتعاليم السماء، وتعتمد أول ما تعتمد عليه على كتاب الله العزيز ، وكان منهج القرآن في غرس هذه العقيدة في القلوب، هو أن يعرضها على الناس عرضاً كله السهولة والبساطة ، والمنطق السليم، فيلفت أنظارهم على ملكوت السموات والأرض، ويوقظ عقولهم إلى التفكير في آيات الله ، وينبه فطرهم إلى ما غرس فيها من شعور بالتدين ، وإحساس بعالم وراء هذا العالم المادي ، وعلى هذه السنن مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرس عقيدة التوحيد في نفوس أمته، لافتاً للأنظار ، موجهاً للأفكار وموقظاً للعقول ، ومنبهاً للفطر ، ومتعهداً هذه الغراس بالتربية والتنمية ، حتى بلغ الغاية من النجاح ، واستطاع أن ينقل الأمة من الوثنية، والشرك ، إلى عقيدة التوحيد ، ويملأ قلوبها بالإيمان واليقين كما استطاع أن يجعل من أصحابه قادرة للإصلاح ، وأئمة للهدى والخير ، وأن ينشئ جيلاً يعتز بالإيمان، ويعتصم بالحق، فكان هذا الجيل كالشمس للدنيا ، والعاقبة للناس حتى وصفهم الله بقوله :
?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ?[آل عمران : 110] .
ثانياً : ثم كانت الخلافات السياسية ، والاتصال بالمذاهب الفكرية الأخرى ، وإقحام العقل فيما ليس له فيه مجال ، سبباً في العدول عن منهج القرآن الحكيم، كما كانت سبباً في تحول الإيمان من بساطته ، وإيجابيته ، وسموه ، إلى قضايا فلسفية ، وأقيسة منطقية ، ومناقشات كلامية تافهة ، أو ينهض به الفرد أو تحيا به الأمة ، وكان من أثر العدول عن نهج الفطرة، والتأثر بالمذاهب الفكرية الطارئة، وإقحام العقل في مجال الوحي[18] أن انقسمت الأمة على مذاهب مختلفة مزقتها شيعاً وأحزاباً.