javascript:; والعبادة أن تبتغي بكل عمل تعمله وجه الله وليس فقط العبادات المعروفة من صلاة وصيام وغيره ولكن كل عمل أخلصت فيه النية لله فهو عبادة، ومن العبادة الدعاء، قال عز وجل: وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"، قَالَ: " الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ "، وَقَرَأَ "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: دَاخِرِينَ"، فالدعاء له منزلة عظيمة في التقرب إلى الله، ومرة أخرى لا يمنع منه إلا الكبر، فلا شك أن العبد الفقير إلى الله يمد يده سائلا الله حاجته أما من لا يدعو الله فلا شك أنه يظن أنه لا يحتاج إلى الله لما عنده من مال أو جاه أو قوة أو غيره، وهذا هو الكبر كما وصف الله من لا يدعوه بأنه متكبر.
وبين سبحانه أن الجميع عبيد لله ويعملون بأمره وأولهم الرسل والملائكة وهم أشرف الخلق، ومن باب أولى أن يعبده من دونهم في الشرف من الإنس والجن، فبين أن ما يمنع من العبادة الحق وإظهار العبودية لله هو الكبر فقال تعالى: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا javascript:;
وتوعد هؤلاء المتكبرين عن طاعته والاستسلام له فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
والمستكبرون دائما ما يؤذون من حولهم خاصة المصلحين، لأن المصلحين يقفون أمامهم وأمام مصالحهم التي تعتمد على إضاعة حقوق الآخرين لأن المتكبر يرى أنه فوق الجميع، فانظر ماذا قالوا للرسل والأنبياء وكيف تعاملوا مع دعوتهم حيث قال تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ، وقال: ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ، فهذا فرعون وملؤه الذين هم أصحاب المصالح واتفقت مصالحهم وينتفعون من الفساد من أصغر موظف وصاحب عمل إلى أكبر موظف ورجل أعمال، وقال: وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ، وهؤلاء هم نموذج لأصحاب المصالح الكبرى، فقارون يمثل رجال الأعمال الفاسدين، وفرعون يمثل قمة السلطة المستبدة التي لا يحاسبها أحد، وهامان يمثل أصحاب المناصب في الدولة الذين يحكمون مصالح الناس ولكن يقدمون مصالحهم الشخصية على أي أمر، وكل هؤلاء يملأ الكبر قلوبهم ويرون أنهم فوق الآخرين.
والمتكبرون يستضعفون بعض الناس ويتخذونهم جنودا يدافعون عن فسادهم ويمكرون بمن سواهم من الناس، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، ولكن هذه العلاقة النفعية في الدنيا تنقلب إلى عداوة في الآخرة، يقول الله واصفا لقاءهم في الآخرة وحوارهم: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ، وفي موضع آخر يقول: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ويقول أيضا: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ، وكثيرا ما اغتر الكبراء بكبرهم فضلوا وأضلوا من خلفهم، فتلك شكوى الضعفاء لله من الكبراء لعلهم ينجون من العذاب ويتجرع الكبراء العذاب ضعفين، يقول تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا، يتبرءون منهم ولكن هيهات، فانظر كيف يتبرءون من بعضهم البعض وكيف وصف المتكبر المستضعف أنه مجرم ولذلك اتبعه وليس لأنه مستضعف (عبد المأمور) وكيف ندمهم حيث لا ينفع الندم.