والمستكبر دائما مفتون بالمستكبرين أمثاله وبالمؤيدين من حوله، قال تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ
إذا فالكبر هو أن ترى نفسك كبيرا وتستطيع بما في يديك من أسباب، ومنذ تلك اللحظة التي خلق الله فيها آدم عليه السلام بدأ الصراع بين الحق والباطل، بين الله ورسله وأتباعهم ومنهجه وبين إبليس وجنوده من الجن والإنس. يقول سبحانه مبينا هذا الصراع: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ، وبين جزاءهم فقال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وقال أيضا: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ.
وكثيرا ما التمس المجرمون الحجج لرفض الحق، فانظر واسمع كلام الله، يقول تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا، فالقضية قضية كبر وليست آيات يريدونها، ويرد المولى بعد أن أراهم الآية تلو الأخرى على مر العصور فقال: بلى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ. وفي موضع آخر قال: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ، فالعلة في الكبر، فقد رأوا الآيات وما طلبوا ولكنهم استكبروا، ومن هؤلاء المستكبرين قوم فرعون أتاهم بالآيات ومع ذلك تكبروا ورفضوا أمر الله فقال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ، وهذه سنة الله في ترك المتكبرين لأنفسهم تسوقهم للهلاك، قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ، فلا فائدة معهم من حديث أو عقل للأمور بل يأتون دائما بعكس المطلوب منهم.
وبين سبحانه أنه غني عن عبادة الإنس والجن، وأنه الملك من قبل أن يخلق المملوكين، وأنه خلق من يعبده ولا يعصيه من الملائكة فقال عنهم: javascript:; فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ، فإن تكبر هؤلاء فمن عند الله لا يتكبرون ولذلك يسبحونه بالليل والنهار ولا يسأمون، وفي موضع آخر قال: وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ، وقال: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، فكل من في السماوات والأرض أيضا يعبدونه، وبين في موضع آخر أن سبب عبادتهم أنهم لا يستكبرون فقال: إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ، فالكبر والعبادة لا يجتمعان فلا يدعي أى داع أنه ليس عنده كبر إذا كان لا يحافظ على عباداته، ومثل هذا المعنى تجده في كلام الله: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، فالعبادة تضاد الكبر والمحافظة عليها تساعد في العلاج من الكبر.