تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دلائل إعجازه الذي تعالى به على كلام المخلوقين. ولذلك فإن صيغة الأمر بالقراءة الذي جاء مرتين في هذه الآيات الخمس لا تعني التوكيد أو الترادف أو التكرار كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين (1)، بل تدل على أمرين بقراءتين، لكل منهما معناها المراد بها، ولكل منهما خصائصها، ومجالها ومتعلّقها، ومناهجها وكيفياًّتها وميادينها. يعّضد هذا ويعزّزه. أنّ الأمر بالقراءة في الآية الأولى اقترن "باسم ربًّك" وكانت صلة الموصول- "الذي" -هي الخلق في: { ... الَّذِي خَلَقَ ﴿96/ 1﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} فهي أمر بتحصيل فعل القراءة وممارسته مع الاستعانة بالله - تعالى - فهو ربك الذي يعلم أنَّك "ما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك"، ولذلك فإنًّه "سيقرؤك فلا تنسى" خلافاً لأي قارئ آخر معرَّض للنسيان والخطأ. فأقرأ باسمه هو، واستعذ به من الشيطان الرجيم. ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (النحل: 68) والذي خلقك من علق، وخلق النوع الإنساني - كله - منه قادر على أن يخلق فيك فعل القراءة، ولو لم تكن قارئاً من قبل. وكل ما عليك أن تقرأ ما سنوحيه إليك وهو القرآن والذي خلقك ورعاك وأنشأك من علق،

(1) نحو القرطبي الذي اعتبر "اقرأ" الثانية توكيداً، وجعلها تمام الآية الأولى (20/ 119) والألوسي (29/ 180) ويشير عدم ذكر فعل "اقرأ" الثانية لدى الطبري إلى اعتبارها مرادفاً، أو توكيداً فراجع (39/ 253) منه. أما الرازي فقد أعطى لكل من الفعلين معنى يخصه فقال- ناقلاً عن بعضهم: "اقرأ - أولاً - لنفسك. والثاني للتبليغ أو الأول للتعلم من جبريل والثاني للتعليم. أو اقرأ في صلاتك والثاني خارج صلاتك" فانظر تفسيره (31/ 16). وقال البغوي في تفسيره "معالم التنزيل": "إقرأ: كرره تأكيداًُ، ثم استأنف .. وربك الأكرم" (4 / .. ) أما ابن كثير فلم يذكر عن "اقرأ" الأولى والثانية شيئاً (8/ 459) ط دار الشعب القاهرة. وذهب ابن الجوزي في زاد المسير (9/ 176) إلى أنها للتوكيد كذلك. وابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (20/ 133) أورد ثلاثة أقوال: الثاني منها: " .. أن الباء في "باسم ربك" للمصاحبة، والمجرور في موضع الحال من ضمير "اقرأ" الثاني مقدّماً على عامله للاختصاص

- أي: اقرأ ما سيوحى إليك مصاحباً قراءتك اسم ربك فالمصاحبة مصاحبة الفهم والملاحظة لجلاله، ويكون هذا اثباتاً لوحدانيّة لله بالإلهيًّة ... ". وهذا هو الأقرب لما ذهبنا إليه. وأما الطوسي فقد اعتبر الباء زائدة، ومفعول "اقرأ اسم ربك" وأما " اقرأ" الثانية فمفعولها المقدّر هو "القرآن" فانظر التبيان (10/ 379)

الجمع بين القراءتين (الوحي والكون) · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الجمع بين القراءتين (الوحي والكون)ص ٩