وجه الدلالة من الدليلين: أنَّ نهي النبي ﷺ عن الدعاء في الحديث الأول، وهجره للناقة الملعونة، دليلٌ على إصابة الدُّعاء وقت الغضب؛ إذ إنَّ الدُّعاء لا يصدُرُ في الغالب إلاَّ في حالة الغضب، فإذا أوخذ الغضبان على دعائه حُوسِبَ على طلاقِهِ (١).
ونوقش: بعدم التسليم بأنَّ الدُّعاء لا يصدُرُ إلاَّ في حالة الغضب، وأنَّ هجر النبي ﷺ دليلُ إجابة الدُّعاء؛ إذ إنَّ الدُّعاء يصدر في حالة الغضب وعَدَمِهِ، وعلى ذلك هَجَر النبي ﷺ النَّاقةَ الملعونة من باب التأديب والتربية لصحابته رضي الله عنهم بالترفُّع عن ما حرم من الأقوال، وخاصَّة ما عَظُمَ منها كاللَّعنِ (٢).
(٦٧) ٩ - ما رواه الدارقطني: حدثنا دعلج، نا الحسن بن سفيان، نا حبان، نا ابن المبارك، نا سيف، عن مجاهد، قال: جاء رجلٌ من قريش إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس إني طلَّقتُ امرأتي ثلاثًا وأنا غضبان، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: " لا أستطيع أن أُحِلَّ لك ما حرَّم اللهُ عليك، عصيتَ ربَّك وحَرُمَت عليك امرأتك " (٣).
(١) الجامعُ لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٢٨٦)، الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (٢/ ٥٣).
(٢) إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٩).
(٣) بهذا اللفظ أخرجه الدارقطني - كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ونحوه (٤/ ١٣) (٣٨).
وهذا الأثر عزاه ابنُ رجب في جامع العلوم والحكم (١٣٠) إلى الجوزجاني أيضًا وقال: " بإسنادٍ على شرطِ مُسلم ".
وهذا إسنادٌ صحيحٌ ورجالُهُ ثقاتٌ.
دعلج: هو ابن أحمد، وحبان: هو ابن موسى المروزي، وسيف: هو ابن أبي سليمان المكّي.
وروى هذا الأثر أبو داود في سننه في أول كتاب الطلاق/ باب بقيَّة ما نسخ المراجعة بعد ثلاث تطليقات (٣/ ٧٢) (٢١٩٠)، فقال: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما فجاءه رجلٌ فقال: " إنَّه طلَّقَ امرأته ثلاثًا. قال: فسكت حتى ظَنَنت أنه رادَّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدُكُم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس! وإنَّ اللهَ قال: (ومن يتَّق اللهَ يجعل له مخرجًا) .....
وهذا إسنادٌ حَسَن.
وقال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٥٣): إسناده صحيح.
وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٨/ ٨٤)، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الطلاق/ باب المطلق ثلاثًا (٦/ ٣٩٧) برقم (١١٣٥٢)، والدارقطني في سننه في كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ونحوه (٤/ ٦٠) برقم (١٤٣)، والطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٧٣) كلاهما من طريق عبد الله بن كثير، عن مجاهد .. به.
وأخرجه ابنُ جرير في تفسيره (٢٨/ ٨٣) قال: حدثنا ابن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أنَّ رجلًا سأَل ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال: " إنَّه طلَّقَ امرأته مئة، فقال: عصيتَ ربَّك، وبانت منك امرأتُك، ولم تتَّق الله فيجعل لك مخرجًا ".
وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٨)، والطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٧٨)، والبيهقي في السنن الكبرى في كتاب الخلع والطلاق/ باب من جعل الثلاث واحدة وما ورد في خلاف ذلك (٧/ ٥٥٢) برقم (١٤٩٧٦)، والدارقطني في سننه في كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ونحوه (٤/ ١٣) برقم (٣٨).
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الطلاق/ من كره أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا في مقعد واحد وأجاز ذلك عليه (٤/ ٦١) برقم (١٧٧٨٣)، وسعيد بن منصور في سننه - كتاب الطلاق/ باب التعدّي في الطلاق (١/ ٢٦٢) برقم (١٠٦٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٧)، والبيهقي في سننه (٧/ ٣٣٧).
كلهم من طريق الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتاه رجل فقال: إنَّ عمي طلَّق امرأته ثلاثًا ....
وجاء من طرقٍ كثيرة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقد جمع كثيرًا من طرقه أبو داود في سننه.
قال الحافظ ابن رجب: إسناده على شرط مسلم، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح (يُنظر: جامع العلوم والحكم ص ١٣٠).