واستدلوا - أي الحنفية والمالكية - بأن عرض خبر الواحد عَلَى القياس كَانَ من ضمن المناهج الَّتِي اتبعها الصَّحَابَة في نقد المرويات وتمحيص الأخبار، فهذا ابن عَبَّاسٍ يرد عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عندما حدّث بحديث: «تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (١)، قائلًا: «أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الدُّهنِ؟ أَنَتَوَضَّأُ مِنَ الحميمِ؟ فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: يا ابن أخي، إذا سَمِعْتَ حديثًا عنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَلَا تَضْربْ لَهُ الأمْثالَ».
فابن عَبَّاسٍ توقف في قبول خبر أبي هُرَيْرَةَ وعارضه بالقياس.
وقد أجاب الجُمْهُوْر: بأنَّ دعوى أنَّ مِثْل هَؤُلَاءِ من الصَّحَابَة - كأبي هُرَيْرَةَ وأنس - ليسوا من أهل الفقه، أمر فِيْهِ نظر طويل، ولو أمعنا النظر في مروياته وآرائه لعلمنا رجاحة عقليته الفقهية، وإجابته لابن عَبَّاسٍ تدل عَلَى هَذَا دلالة لايشوبها لبس أو غموض.
وأمَّا حديث الوضوء مِمَّا مست النار، فَلَمْ يَكُنْ رد ابن عَبَّاسٍ لَهُ مستندًا إِلَى مخالفة القياس، وإنَّما كَانَ الْحَدِيْث عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ منسوخًا بحديث: «أنَّ
النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ كَتفَ شاةٍ وصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (٢).
عَلَى أنَّ أبا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ منفردًا برواية حَدِيْث الوضوء مِمَّا مست النار، إذ شاركه في روايته: أبو أيوب (٣)، وأبو طلحة (٤)، وزيد بن ثابت (٥)، وأم حبيبة (٦)، وعائشة (٧)، وأبو موسى الأشعري (٨)، وسهل بن الحنظلية (٩)، وأم
(١) أخرجه: الطيالسي (٢٣٧٦)، وعبد الرزاق (٢٦٧) و(٢٦٨)، وأحمد ٢/ ٢٦٥، ومسلم ١/ ١٨٧ (٣٥٢)، والترمذي (٧٩)، والنسائي ١/ ١٠٥، والطحاوي في " شرح المعاني " ١/ ٦٣ وفي ط. العلمية (٣٤٩)، والحديث جعله المزي من مسند أبي هريرة " تحفة الأشراف " ١٠/ ٣٧٨ (١٥٣٠).
(٢) أخرجه: أحمد ١/ ٢٥٦، والبخاري ١/ ٦٣ (٢١٧)، وأبو داود (١٨٧)، وابن خزيمة (٤١) بتحقيقي من حَدِيْث ابن عَبَّاسٍ.
(٣) عِنْدَ النسائي ٢/ ١٠٦.
(٤) عِنْدَ النسائي ٢/ ١٠٦.
(٥) عِنْدَ النسائي ٢/ ١٠٧.
(٦) عِنْدَ أبي داود (١٩٥).
(٧) عِنْدَ مُسْلِم ١/ ١٨٧ (٣٥٣).
(٨) عِنْدَ أحمد ٤/ ٣٩٧ و٤١٣.
(٩) عِنْدَ أحمد ٤/ ١٨٠ و٥/ ٢٨٩.