مع أنَّه ثبت أنَّ أبا حنيفة قد عمل بأحاديث رواها أبو هريرة وقدمها على القياس، وتبعًا لهذا لم يشترط الشيخ أبو الحسن الكرخي، ومن تبعه من الحنفية فقه الراوي لتقديم خبره على القياس؛ لأنَّ التغيير من الراوي بعد ثبوت عدالته وضبطه موهوم. على أنَّ شرط الفقه متوفر في أبي هريرة، وقد روى حديث المصرّاة وأثبت الخيار للمشتري (١).
وَهُوَ قولٌ للمالكية أيضًا (٢) قال ابن جماعة: «ورجح بعض المالكية القياس على خبر الواحد المعارض للقياس» (٣).
إلا أنَّ ولي الدين العراقي قال: «وفي خبر الواحد المخالف للقياس مذهبان آخران: أحدهما: - وهو الصحيح - تقديم الخبر مطلقًا، وقال الباجي: إنَّه الأصح عندي من قول مالك؛ فإنَّه سُئل عن حديث المصرّاة، فقال: أَوَ لأحد في هذا الحديث رأي.
ثانيهما: وهو المختار عند الآمدي وابن الحاجب التفصيل في ذلك، فإنْ عرفت علة ذلك القياس بنص راجع على الخبر، ووجدت في الفرع قطعًا لم يقبل الخبر، وإنْ كان وجودها فيه ظنًا فالوقف، وإن لم تعرف العلة بنص راجع قبل الخبر» (٤).
وفصّل أبو الْحُسَيْن البصري (٥) من المعتزلة تفصيلًا آخر، فرأى أنَّ القياس يقدّم عَلَى خبر الواحد في حال ثبوت علة القياس بدليل قاطع، وعلل ذَلِكَ بأنَّ النص عَلَى العلة كالنص عَلَى حكمها، فحينئذ يكون القياس قطعيًا، وخبر الآحاد ظنيًا، والقطعي مقدم عَلَى الظني (٦).
(١) انظر: " كشف الأسرار " للبزدوي ٢/ ٣٨٣.
(٢) انظر: " البحر المحيط " ٣/ ٣٩٩.
(٣) " المنهل الروي ": ٣٢.
(٤) " الغيث الهامع شرح جمع الجوامع " ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٥) أبو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن عَلِيّ بن الطيب البصري صاحب التصانيف منها: " المعتمد في أصول الفقه " و" تصفح الأدلة "، مات سنة (٤٣٦ هـ). انظر: "تاريخ بغداد " ٣/ ١٠٠، و" سير أعلام النبلاء " ١٧/ ٥٨٧ - ٥٨٨، و" شذرات الذهب " ٣/ ٢٥٩.
(٦) انظر: " المعتمد " ٢/ ١٦٣.