تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَمَرَرْنَا بِمَاءٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جِنَّةٌ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِمَنْخَرِهِ، فَقَالَ: اخْرُجْ، إِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ سَفَرِنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَاءِ، فَأَتَتْهُ الْمَرْأَةُ بِجُزُرٍ وَلَبَنٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرُدَّ الْجُزُرَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَشَرِبُوا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَأَلَهَا عَنِ الصَّبِيِّ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْنَا مِنْهُ رَيْبًا بَعْدَكَ. (1)

وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ لِكَوْنِ مِثْلِهِ لَمْ يَقَعْ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِكَوْنِ الشَّيَاطِينِ لَمْ تَكُنْ تَقْدِرُ [أَنْ] تَفْعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَفَعَلَتْ ذَلِكَ عِنْدَنَا، فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَالتَّنْفِيسِ عَنِ الْمَكْرُوبِ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِ بِمَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلاَ نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لاَ نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» (2)

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ» ثُمَّ قَالَ «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ» ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قَالَ:" إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ، جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ " (3)

وَهَذَا كَدَفْعِ ظَالِمِي الْإِنْسِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابَهُ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا التُّرْكَ وَلَمْ يَكُونُوا يَرْمُونَ بِالْقِسِيِّ الْفَارِسِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي قِتَالٍ، فَقَدَ

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) (6/ 35) (17565) 17708 فيه جهالة

(2) - صحيح البخاري (7/ 131) (5736) وصحيح مسلم - ط دار الجيل بيروت (7/ 19) 5784 - [65 - 2201] [ش (يقروهم) يضيفوهم. (الشاء) الغنم. (يتفل) يخرج بزاقه من فمه مع نفس]

(3) - صحيح مسلم (1/ 385) 40 - (542)

الإيمان بالجن بين الحقيقة والتهويل · الصفحة ٥٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإيمان بالجن بين الحقيقة والتهويلص ٥٣٠