اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)) (1)، وفي تفسير البحر المديد: ((﴿الذين إذا ذُكر الله وَجَلتْ قلوبُهم﴾؛ خافت واقشعرت لذكره استعظاماً له وهيبة من جلاله)) (2).
ـ وفي تفسير ابن كثير تفسير ابن كثير: ((ثم قال تعالى منكرا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم: ﴿تَعْجَبُونَ﴾ من أن يكون صحيحا، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ منه استهزاء وسخرية، ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ أي: كما يفعل الموقنون به، كما أخبر عنهم: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109])) (3)، فالموقنون بالقرآن هم الذين يبكون من مهابته، وفي تفسير القرطبي: ((لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم (أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون) لم ير ضاحكا إلا مبتسما حتى مات صلى الله عليه وسلم)) (4).
2 ـ خوف المهابة من الله تعالى:
ـ لقد كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والعشرة المبشرون بالجنة يخافون من الله رغم علمهم بالوحي أنهم من أهل الجنة، لأنهم يخافون من مهابة الله.
ـ جاء في أيسر التفاسير: ((﴿مالكم لا ترجون لله وقارا﴾: أي لا تخافون لله عظمته وكبرياءه وهو القاهر فوق عباده)) (5)، ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)) (6)، ((وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)) (7).
ـ والملائكة تخاف من مهابة الله تعالى، ففي تفسير الرازي: (((يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ... ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ [فاطر: 28] وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء)) (8)، وفي تفسير بحر العلوم: ((﴿يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ﴾» أي: يخافون خوفاً، معظمين، مبجلين)) (9)، وفي تفسير البحر المديد: ((﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ ... أي: يخافون عظمة ربهم من فوقهم؛ إذ هم محاطون بأفلاك أسرار الجبروت، مقهورون تحت القدرة والمشيئة)) (10)، وفي تفسير الألوسي: ((﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ لأنه القاهر المؤثر فيهم ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: 50] طوعاً وانقياداً)) (11)، ((وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ)) (12)، وفي الحديث: ((مررت بجبريل ليلة أسري بي بالملإ الأعلى وهو كالحلس (13) البالي من خشية الله عز وجل)) (14).
ـ وفي تفسير الوسيط لسيد طنطاوي: ((﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ .. ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ أى: يتشققن، والضمير في قوله تعالى ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ يعود إلى السماوات، باعتبار أن كل سماء تنفطر فوق التى تليها، وهذا التفطر سببه الخشية من الله تعالى، الخوف من جلاله وعظمتنه فيكون المعنى: تكاد السماوات يتشققن مع عظمهن ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أى: من أعلاهن، خشية ورهبة من عظمته عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مِن دَآبَّةٍ والملائكة وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾)) (15).
ـ ويقول تعالى: ((لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)) (16).
3 ـ خوف المهابة من سماع كلام الله وأوامره:
ـ جاء في فتح القدير: ((﴿وهم من خشيته مشفقون﴾ فإذا أذن لهم في الشفاعة فزعوا لما يقترن بتلك الحالة من الأمر الهائل .... وقيل هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر به الرب)) (17)
(1) الزمر: من الآية 23
(2) تفسير البحر المديد ـ موافق للمطبوع (3/ 4)
(3) تفسير ابن كثير (ج: 7، ص: 468)
(4) تفسير القرطبي (ج: 17، ص: 124)
(5) أيسر التفاسير للجزائري (ج 4، ص: 314)
(6) المؤمنون: 60
(7) البقرة: من الآية 40
(8) تفسير الرازي (ج 9، ص: 400، 401)
(9) بحر العلوم للسمرقندي (ج: 2، ص: 467)
(10) البحر المديد (ج: 3، ص: 269)
(11) تفسير الألوسي (ج: 10، ص: 193)
(12) الرعد: من الآية 13
(13) الحلس هو كساء رقيق يوضع على ظهر البعير تحت السرج
(14) السلسلة الصحيحة (2289)
(15) الوسيط لسيد طنطاوي (ج: 1، ص: 3753)
(16) الحشر: من الآية 21
(17) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (ج: 4، ص: 461)