وفل سلاحه! وكارثة الأندلس تعود للعلة نفسها، علة الانقسام واتباع الهوى.. 132
وقد استطاع الأتراك أن يحتلوا شرق أوروبا، وأن يبلغوا وسطها بعد ضياع الأندلس.. ولم تكن قدرة المسلمين الصناعية مدنيا وعسكريا دون خصومهم، بل المأثور أن مدافع المسلمين كانت أبعد مدى، وأن ملكة الاختراع كانت ناشطة فى أغلب الميادين.. ولكن يظهر أن هذا التفوق الأخير لم يكن طبيعيا، أو هو بقية الأصالة القديمة فى كيان العملاق، الذى نبغ بعلمه وأدبه، قبل أن تعمل جراثيم الفساد الثقافى والاجتماعى على تبديد قواه وإطفاء بريقه.. وهكذا شرع المسلمون ينسحبون فى كل ناحية.. وما هى إلا جولة أخرى حتى كانوا مصفدين بين أيدى أعدائهم..!! ومن خلال النظام السائد. ولد فجر جديد، ولد منذ نصف قرن تقريبا ولادة طبيعية، إذ أخذ زعماء الإصلاح فى إيقاظ البصائر الغافية، وإعادة الرشد إلى الأمة التى فقدت رشدها وسعدها. والنهضة الصحيحة لا تتم إلا بين يدى بعث علمى وقلبى، رحب الأبعاد! وذلك ما صنعه رواد هذه النهضة.. وأذكر منهم على سبيل المثال جمال الدين الأفغانى، ومحمد عبده، وحسن البنا.. إن اليقظة العلمية والعاطفية التى قادها أولئك النفر، أمدت المسلمين بروح جديد، وردت خصومهم مهزومين فى أكثر من ميدان.. وقد استطاعوا فى غير تكليف أن يربطوا الأجيال الناشئة بدينها، وأن يدفعوها فى آفاق الأرض تحمل شعاره، وتتحرى وجهته، وتحيا ظاهرا وباطنا وفق تعاليمه.. وقد نسبت إلى هؤلاء القادة الكبار أخطاء سياسية كبيرة وصغيرة! ليكن فهم ليسوا أنبياء ولا أشباه أنبياء.. بيد أن ما أجرى الله على أيديهم من خير لا يجحده إلا مكابر. وحسبهم أنهم مزقوا حجب الغفلة عن أمة تائهة. وعرفوها بنفسها ومكانتها، ثم قاموا إلى جانب ذلك بأمرين جليلين: ( أ ) نوهوا بالإسلام وعظمته فى وجه حكومات ارتدت عن شريعته، أو كانت فى طريقها للارتداد. (ب) جعلوا المثقفين يوائمون بين معارفهم وعقائدهم، وعلموهم