فإن العافية في البدن والعقل والقوى وسائر الحواس والأهل والولد والمال من جليل العطايا وجزيل المنح؛ لأن العبد إذا عافاه الله في هذه الأمور استغنى بفضل الله عن منة خلقه، وصار عزيزًا عند نفسه ومحترمًا عند الآخرين، إن جاد بفضل على الناس، فقد أحسن كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تعين صانعًا أو تصنع لأخرق»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو تحمل له عليها متاعه صدقة، وإن أمسك عن غير واجب فقد اقتصد».
وإذا عافى الله العبد ـ بفضله ـ لم يحتج إلى الأطباء والمستشفيات، ولم يستدن من أحد مالًا، فلم يعش هم الدين بالليل، وذله بالنهار.
وإذا عافى الله العبد في بدنه وأهله وماله، لم يكن موضع شماتة للأعداء والحاسدين.
وإذا عافاه الله في هذه الأمور، كان مستورًا، فلا يكون عظة للمتعظين وعبرة للمعتبرين.
وهكذا فالعافية في الدين والدنيا والآخرة لباس جميل ورياش يحسن حال المرء في الدنيا في نظر الناظرين، ويجعله في الدنيا من المتمتعين متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى فضلًا من رب العالمين.
والعافية أيضًا في الدنيا والآخرة سربال يقي صاحبه يوم القيامة من النار ومن الخزي والشهرة، وذلك على مرأى ومسمع من الأخيار والفجار.
فلهذه المعاني والدلالات ولما للعافية على المعافى من الآثار الطيبة والعواقب المباركة في سائر الأوقات:
1 - كان - صلى الله عليه وسلم - يغري أصحابه بسؤال الله العافية، فيقول: «سلوا الله العافية».
2 - ولما ذكر - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة قالوا: يا رسول الله فما نقول؟ فقال: «سلوا الله العافية»، فكأنهم تَقَالُّوها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من العافية».