وإذا كان لساننا قد تعود التعبير بكلمة (مدينة) فمن الطبيعي انه لا مجال لتبديله وتغييره ، ولكن لفظ (مدينة) لا يمكن أن يكون جذرها الفعل الأجوف اليائي (ذبن) بل ربما يكون الفعل الناقص (دني) وحينئذ تفيد معنى معكوساً ، لان (دني) بفتحتين بمعنى منحط أو صار وضيعاً أو تأخر ، وحينئذ يجب أن كون معنى (المدنية) هو الانتساب إلى المكان المنخفض الدون السفلي ، والحال أن المدنية عبارة عن الانتساب إلى محل الحكومة ، إلى محل العدل والعدالة ، إلى ديوان لله ، إلى مقر الدين(1) .
والآن على تعليم الإنجيل الشريف ، قد أسس الله ملكوته على الأرض ، وهذا الملكوت أيضاً عبارة عن أمة واحدة متشكلة من أمم وعروق عديدة ، فانظروا بأي واسطة يتأتى جمع الأقوام المنتسبين إلى هذا العدد من الألسنة والأقاليم والطبائع المختلفة وتوحيدهم ؟ وقد جعل الله لأجل إدارة سلطنته ديواناً تحت رئاسة حاكم ، وذاتاً أن معنى كلمة الحكومة هو الحكم .
ولكن بماذا يحكم الحاكم والحكومة ؟ بماذا يجري حكمه أي دينه وديوانه ؟ هل يحكم كيفما يشاء وهل يصدر إرادته كما يشتهي ؟ وهل يكون العامل في رسم خطة حركته ، رغبة نفسه ومشتهى هواه ؟
إذن فبأي واسطة يقدر الفضائل ويقبح الرذائل ؟ وبأي طريقة يتمكن من إجراء المثوبة والعقاب ؟ وعلى أي قانون يحكم على الناس بالإعدام ؟ أو يأمر بالإكرام ؟
مهما كان الإنسان عالماً وعادلاً بالفطرة ، لا يتمكن أن يبقى خلوا من الانفعال والتأثر بالمؤثرات الخارجية والداخلية ، يريد دائماً أن يكرم وينعم على الذين يحبهم ، ولا يؤمن عليه ارتكاب الجور والظلم والخطأ في غير محله بسائق الغضب والغيظ .
(1) هكذا قال المؤلف : ولعله يقصد أن كلمة (مدينة) اسم مكان من فعل (دان ، مدين) كالمصير من فعل (صار ، يصير) أم ألحقت به تاء التأنيث وليست اسم مفعول ، ولكن كلمة (مدينة) قد وردت في القرآن بمعنى بلدة أو قرية قال تعالى ﴿ وابعث في المدائن حاشرين﴾ .