تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا العالم المسيحي المتلاطم الأمواج لابد أن يحالوا إغراق قارب الموسوية الصغير ، إن ملل الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت ودولهم تستنكف بدرجة ما من إيذاء اليهود وإيصال الجور إليهم لخوف بعضها من بعض لوجود الرقابة التي فيما بينهم أو لأسباب أخرى ، ولكن هل من شبهة في أن كل واحدة من هذه الدول عندما تطمئن وتعتمد على قوتها ستقضي في أول فرصة وتختم على أنفاس اليهود ؟ إن كلاً من هؤلاء الدول لا يتأخر ولا يتوقف يوماً من الجري على خطة إبادة بعضهم لبعض على حين انهم أبناء دين واحد ، فماذا يكون حال اليهود إذا ما ظهرت مثلاً حكومة روسية ذات قوة لا يبقى معها خوف ولا مبالاة من الرأي العام لأوروبا وأمريكا ؟ ان مجلس مذهب الكاثوليك ذاك الشهير باسم مجلس التدقيقات(1) هو اليوم أيضاً ، موجود ، وإذا تقوى البابا مرة ثانية ، فإلي أي (سلانيك) لمسلمي العثمانيين يذهب اليهود ؟ من يضمن لنا ان دعاة مذهب البروتستان الذين يزعجون راحة الموسويين ليلاً ونهاراً كلما تقووا أن لا ينفذ صبرهم فيتوسلوا التدابير الزجرية القاسية إلى إبادة اليهود ؟ ألا إن هذا هو مستقبل اليتيم الضعيف المنزوي المنفرد ، والملة التي لا وطن لها ولا نصير ، وبناء على ذلك ليتفكر الصهيونيون(2) في مستقبل أمتهم وسلامتها ، آخذين مطالعاتي المعروضة أعلاه نصب أعينهم ودقة أنظارهم ، ولاشك ان أخذهم موقعاً ممتازاً في الإسلام أولى وارجح ألف ضعف من اضمحلالهم في النصرانية(3)

(1) كان في رومية هيئة باسم مجلس التدقيقات المذهبية Sacra Congregatio Inquisitionis Rituum وكان ذلك المجلس سابقاً يقضي بالمظالم والوحشة على الإسرائيليين خصوصاً في أسبانيا (انه يعني محكمة التفتيش الاضطهادية) .

(2) …صهيون) اسم قمة انشىء عليها القدس الشريف القديم ، و(صهيون ، سيون ، السبونيست) هي عبارة (صهيون) نفسها .

(3) يقول مصححه قد سبق جماعة من المسلمين هذا المؤلف إلى فكرة التأليف بين مسلمي العرب واليهود باقتراح المرحوم السيد عبدالرحمن الكواكي الحلي الشهير ولكن من ناحية السياسة دون الدين وألفت لجنة للبحث في ذلك بدار المنار ، وأما الناحية الدينية فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عقب هجرته اقر اليهود المجاورين له على دينهم وأنفسهم وأموالهم بمعاهدة مكتوبة ، ولكنهم نقضوها وغدروا به وساعدوا المشركين عليه حتى اضطر إلى قتالهم وإجلاء بقية السيف من الحجاز ثم كان المسلمون يحمونهم من ظلم النصارى في كل المماليك الإسلامية ، وقد تجدد للصهيونيين منهم بعد الحرب العالمية أمل جديد بمساعدة الإنجليز على إنشاء وطن لهم في فلسطين حال دون اتفاقهم مع بقية اللجنة السياسية العربية وسينتظر العالم مآلهم فيها وإما أوروبة فيزداد اضطهادها لليهود سنة بعد سنة إلا في إنجلترا وفرنسة .

(الإنجيل والصليب) · الصفحة ١٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

(الإنجيل والصليب)ص ١٦٠