وإن شاء نفاه. وصِفَةُ نَفْيِهِ أنه كلما حَصَل في بلد نُفي عنه أبدًا، هكذا حتى يموت، وسواء قَتل وأخذ المال، أو لم يفعل شيئًا من ذلك، يعني: إذا كان قد أخاف الطريق، وحارب أهله على أموالهم؛ فهو عنده محارب، سواء كان في المصر أو خارج المصر، ليلًا أو نهارًا» . هكذا نصُّ قوله.
وكان مما اختلفوا فيه من هذا الفصل: صفة النفي الذي ذكره الله -تعالى-، فقال الكوفيون (١): لما قال الله -عز وجل-: ﴿أَوْ يُنفَوا
مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] عُلِم أنهم لا بد لهم أن يستقروا في الأرض؛ لم يكن شيء أولى بهم من الحبس؛ لأنه إذا حُبِس فقد نُفي من الأرض، من موضع استقراره. وقال مالك (٢): «ينفى من البلد الذي أَحْدَثَ فيه هذا إلى غيره، ثم يحبس فيه»، حَملًا على قولهم في نفي الزاني. وقال الزهري (٣): نَفْيُهُ: أن يُطلبَ فلا يُقْدر عليه، كلما سُمع به في أرض طُلب. وعلى نحو ذلك يجيء ما رُوي عن الشافعي: أنَّ نفيهم: أن يُطلبوا حتَّى يؤخذوا، فتقام عليهم الحدود (٤) .
(١) أي الحنفية. انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٧٥)، «الهداية» (٢/٤٢٣)، «البناية» (٥/ ٦٢٨)، «تحفة الفقهاء» (٣/١٥٦)، «بدائع الصنائع» (٧/٩٤-٩٥)، «المبسوط» (٩/١٩٩)، «أحكام القرآن» للجصاص (٢/٢١٤)، «حاشية رد المحتار» (٤/١١٣-١١٤)، «ملتقى الأبحر» (١/٣٥٢) .
(٢) «المدونة» (٦/٢٣٧- ط. دار صادر)، «جامع الأمهات» (ص ٥٢٣)، «الذخيرة» (١٢/ ١٢٧، ١٣١)، «قوانين الأحكام» (٣١١)، «الكافي» (١/٤٨٧)، «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/٥٩٨)، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (٤/١٨٤ رقم ١٥٤٠- بتحقيقي)، «بداية المجتهد» (٢/٤٩٠)، «عيون المجالس» (٥/٢١٤٥ رقم ١٥٥٦)، «تبصرة الحكام» (٢/١٨٨)، «عقد الجواهر الثمينة» (٣/٣٤٣)، «الشرح الكبير» (٤/٣٤٩)، «تفسير القرطبي» (٦/١٥٣)، «المنتقى» للباجي (٧/١٧٣)، «أقضية النبي - ﷺ -» لابن فرج (١٢) .
واختار ابن العربي الحبس؛ كالحنفية، واختار مذهب المالكية: ابن جرير في «تفسيره» (٦/٢١٨) .
(٣) نقله عنه: ابن المنذر في «الإشراف» (١/٥٣٥) .
(٤) انظر: «الأم» (٦/١٦٤- ١٦٥)، «مختصر المزني» (٢٦٥)، «السنن الكبرى» (٨/٢٨٣)، «الحاوي الكبير» (١٧/٢٣٩)، «التنبيه في الفقه الشافعي» (ص ٢٤٧)، «الأحكام السلطانية» للماوردي (ص ٦٢)، «المهذب» (٢/٢٨٤)، «الإشراف» لابن المنذر (١/٥٣٥)، «أسنى المطالب» (٤/١٥٤)، =