تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الثاني

الفروق بين الإلهام وبين التحديث والفراسة والكشف

(أ) الفرق بين الإلهام والتحديث:

المحدَّث هو الذي يحدَّث في سره وقلبه بشيء، فيكون كما يحدَّث به (1)، مثل ما كان لعمر رضي الله عنه.

فعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قد كان يكون في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم) (2).

وذهب الهروي إلى أن الإلهام هو نفس التحديث، بينما رأى ابن القيم شارح منازل السائرين أن بينهما عموم وخصوص، فكل تحديث إلهام، وليس كل إلهام تحديثاً (3).

فقال: (التحديث أخص من الإلهام، فإن الإلهام عام للمؤمنين بحسب إيمانهم، فكل مؤمن قد ألهمه الله رشده الذي حصل له به الإيمان، وأما التحديث: فإلهام خاص. وهو - أي الإلهام - الوحي إلى غير الأنبياء، إما من المكلّفين، كقوله تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي) (4)، وإما من غير المكلّفين، كقوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون) (5)، فهذا كله وحي إلهام) (6).

وأما مرتبة التحديث فهي دون مرتبة الوحي الخاص، ودون مرتبة الصِّدِّيقين.

قال ابن تيمية: (الصدِّيق أكمل من المحدَّث، لأنه استغنى بكمال صِّدِّيقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف، فإنه قد سلّم قلبه كله، وسرّه وظاهره وباطنه للرسول، فاستغنى به عمّا هو منه.

قال: وكان هذا المحدَّث يعرض ما يحدَّث به على ما جاء به الرسول، فإن وافقه قَبِله، وإلا ردّه. فعُلم أن مرتبة الصِّدِّيقية فوق مرتبة التحديث) (7).

(1) مدارج السالكين جـ 1: 63.

(2) متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه جـ 7: 42 في فضائل أصحاب النبي، باب مناقب عمر بن الخطاب بلفظ: (إنه كان في الأمم .. ) ومسلم في صحيحه ص 1039، في فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر بن الخطاب، برقم 2398، واللفظ له.

(3) ينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين جـ 1: 68.

(4) سورة المائدة: الآية (111).

(5) سورة النحل: الآية (68).

(6) مدارج السالكين جـ 1: 68 بتصرف.

(7) المصدر نفسه جـ 1: 64.

الإلهام · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإلهامص ٦