(2) ومعناه الاصطلاحي عند المتصوفة بأنه: مشاهدة الرب بنور البصيرة، وذلك يمحو شهود ما سوى الله، وعدم الانشغال بأي شيء غيره حتى لا يشهد القلب إلا معروفَه (1).
وبالنظر إلى هذا التعريف نلمس تداخلاً بين المعنى الاصطلاحي للإلهام والمعنى الاصطلاحي الصوفي للكشف؛ فعبارة: (مشاهدة الرب بنور البصيرة) قد يعني إلقاء المعارف في القلب بطريق الإلهام، إذ المقصود أن الكشف يتأتى بوجه من وجوهه بمعنى الإلهام الذي نريده.
قال ابن تيمية في (العبودية) (2) متحدثاً عن الفناء عن شهود السوي: (وهو يحصل لكثير من السالكين، فإنهم لفرط انجذاب قلوبهم إلى ذكر الله وعبادته ضعفت قلوبهم عن أن تشهد غير ما تعبد، وترى غير ما تقصد، ولا يخطر بقلوبهم غير الله ولا يشعرون كما قيل في قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً) قالوا فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى، وهذا كثيراً ما يعرض لمن دهمه أمر من الأمور، إما حب وإما خوف وإما رجاء، ويبقى قلبه منصرفاً عن كل شيء إلا مما قد أحبه أو خافه أو طلبه بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره، فإذا قوي صاحب الفناء هذا فإنه يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته حتى يفنى من لم يكن وهي المخلوقات، ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى، والمراد فناؤها في مشهود العبد وفناؤه عن أن يدركها أو يشهدها).
(1) في التصوف ص 13.
(2) ص 96.