حَكَمَ العلماء قديمًا وحديثًا بمنع وتحريم قتل المريض الميؤوس من شفائه مهما كانت جسامة مرضه، ومهما تقدمت درجة إشرافه على الموت المحقق والهلاك الواضح والظاهر، وقد نُظر في ذلك الحكم إلى جملة من المعطيات الشرعية والأسرار المقاصدية التي نوردها بإيجاز فيما يلي :
_ إن أجلى حكمة لمنع القتل هو المحافظة على حق الحياة، الذي هو هبة إلهية عظمى لا يجوز لأي مخلوق أن يضعه تحت تأثير التلاعب والأمزجة والعواطف، فقد جعل الخلاقُ العليمُ الحياةَ حقًّا شرعيًا وإنسانيًا، يتصرف فيه وحده، بداية ونهاية، صحة ومرضًا، وأمرًا مقدسًا لا يخضع للاستخفاف واللامبالاة، لذلك اعتبر قاتل النفس الواحدة كقاتل الناس جميعًا .
_ إن الآجال بيد الله تعالى، وإن دور الأطباء يتمثل في اتخاذ الأسباب والسنن التي توصل في الغالب إلى نتائجها ومسبباتها بحسب مشيئة الله تبارك وتعالى، وإن حكم الطبيب على صحة هذا المريض أو موته هو كذلك بحسب الظاهر والظن الغالب، وقد يكون بعض المرضى الذين يئس من شفائهم وحُكم عليهم بالموت ممن لا ينطبق عليهم ذلك الحكم، فيكونون عُرضة للتلاعب والإجحاف والتعسف والحرمان من فرصة الحياة، بموجب قرار إنساني قاصر ومتعجل وعام وأغلبي، وبمقتضى ادعاء وهمي لا فائدة فيه .
_ إن تشريع هذا القتل ذريعة إلى الاستخفاف بصحة المريض، وطريق مفض إلى عدة أعمال وممارسات قد تتناقض مع شرف مهنة الطبيب وأخلاقياته الإنسانية النبيلة، ومع أيمانه المغلظة بأن لا يبيح سرًّا للمريض ولا يعطيه دواءً قاتلاً، ولا يؤذيه بأي نوع من أنواع الأذية، ماديًا أو معنويًا، بل إن قَصْدَ قَتْلِه ليعد من أكبر الكبائر في عالم الجنايات والجرائم، هذا فضلاً عن تنفيذ ذلك وفعله .
_ إن تمكين المريض الميؤوس من شفائه مِن أَخْذِ حَقِّه في العلاج حتى في الفترات المستعصية دون تدخل لوضع حد لحياته وآلامه، إن تمكينه من ذلك فيه فوائد كثيرة، منها :