نبين في هذا الفصل عرضًا مختصرًا لطائفة مهمة من المشكلات والوقائع التي طرأت على مسيرة الحياة الإنسانية ومجال الاجتهاد الفقهي، والتي لم يكن لها سابق تنصيص أو إجماع على أحكامها، وقد تصدى لها العلماء والمجتهدون بإبداء آرائهم ومواقفهم وفتاواهم، سواء على صعيد جماعي ومنظم، على غرار ما هو واقع في المجامع والمؤسسات والهيئات والجامعات الشرعية، أو على صعيد الكتاب والفقهاء والعلماء والخبراء فيما يبدونه من بيانات ومجادلات وتعليقات تسهم في نهاية الأمر في تكوين رأي شرعي، وتحديد حكم فقهي يكون صوابًا أو قريبًا من الصواب، ومن المراد الإلهي والمقصود الشرعي.
وعلى الرغم من أن المقاصد الشرعية كانت الإطار العام والمسلك الشمولي لبيان أحكام تلك المشكلات والنوازل، إلا أنها لم تكن لتبرر القول باستقلالها عن النصوص والأدلة الشرعية، أو لجعلها مصدرًا يضاهي الوحي الكريم والإجماع المبارك، وكل ما في الأمر أن المقاصد التي تحددت في ضوئها أحكام تلك المشكلات، إنما هي معان ومدلولات شرعية مستخلصة من الأدلة والنصوص والقرائن الشرعية الدينية، ومندرجة ضمن الضوابط والقواعد والقواطع الإسلامية المعلومة، فكأن معالجة تلك المشكلات قد تمت بما أوصل إلى تقرير تلك المقاصد من نصوص وأدلة وقرائن .. ولكن وبموجب تناهي النصوص ومحدوديتها في مقابل ضخامة الأقضية والحوادث، تأكد الاجتهاد فيما يستجد على وفق المقاصد وفي ضوء النصوص والأدلة.
ومما يجدر التذكير به أن عرض هذه المشكلات والوقائع ليس بالأمر الجديد، إذ ليس فيه من الإضافة سوى الترتيب والتبسيط والتوضيح، وإبراز الناحية المقاصدية والجانب المصلحي لها تمشيًا مع طبيعة هذا البحث ومتطلباته، وقد كان لمن تصدى لهذه المشكلات - أفرادًا أو مؤسسات - فضل البحث والدراسة والتكييف الفقهي ومناقشة الأقوال والأدلة والترجيح بينها، واستخلاص ما ينبغي استخلاصه من أحكام ومواقف شرعية فقهية.