هناك من تحمس للمصالح دون أن تكون له نية تعطيل النصوص أو ضرب قدسية الوحي أو تشريع الأحكام بمجرد الهوى والتشهي، وإنما فعل ذلك لمبررات رأى أنها مناسبة ومعقولة، كمن فعل ذلك ردًّا على غلاة الظاهرية المعطلين لمعقولية الشريعة ومرونتها وحيويتها وصلاحها، أو من فعل ذلك تأسيًا بالسلف والخلف في النظر المصلحي، لكنه وقع في غير ما أراده السلف والخلف بإهمال بعض القيود والضوابط، أو بالوقوع في خطأ الفهم والاستنتاج، وفي خطأ المقابلة والإلحاق والإدراج، أو من فعل ذلك استجابة لواجب الاجتهاد الفقهي والنظر المقاصدي، لكنه وقع في الخطأ بسبب العجلة والتسرع، أو بسبب الرغبة في تحصيل هدف نبيل وشريف كالغيرة على الشريعة والذب عنها في مواطن احتاج فيها إلى إبراز معقوليتها وصلاحيتها، فيروح يؤكد على المصالح والمقاصد وعلى أن الشريعة واقعية وإنسانية ومسايرة للواقع والبيئات والظروف، وعلى أن المصلحة أينما وجدت فثمة شرع الله ، وغير ذلك مما قد يوصل إلى القول بتفضيل المصالح على الشرع .
فهذا الذي تحمّس للمصلحة لما رآه من مبررات ودواع، قد أدى به الأمر إلى الوقوع في الغلو المصلحي، إما بسبب النقل والرواية عنه، وإما بسبب توظيف منقولاته وآرائه، وهو في هذه الحالة ينبغي عليه التأكد والحذر والحيطة والتروي حتى لا يقع أو يوقع في المحظور بقصد أو بغير قصد، فسلامة النية وحدها غير كافية بل يجب معها النظر في المآلات والنتائج .
وهناك من تحمّس للمصالح، اعتقادًا فيها، وتسليمًا بقدسيتها وحرمتها، وهيمنتها على نصوص الوحي وتعاليمه، فراح يقنع الناس بذلك مستدلاً بكل واردة وشاردة وكل منقول ومعقول، جامعًا في أسلوبه بين التعسف والتطويع والتحامل والتهميش والتشويش .
الباب الثالث الاجتهاد المقاصدي في العصر الحالي الفصل الأول المشكلات المعاصرة في ضوء الاجتهاد المقاصدي المبحث الأول: المشكلات التعبدية في ضوء الاجتهاد المقاصدي »