وهي المسائل التي لا نص ولا إجماع على أحكامها، والتي تسمى منطقة الفراغ أو منطقة العفو، والتي يحكم فيها بموجب النظر المصلحي والمقاصد الشرعية عن طريق القياس الفرعي والكلي والاستحسان والعرف واعتبار المآل، وهي شاملة لكل ما يقابل القطعي اليقيني مما ذكرناه سابقًا، ومما يمكن أن يطرأ على مسيرة الحياة الإنسانية فيكون خاضعًا للاجتهاد المقاصدي، وهذا يدل على الرفق الإلهي بالناس، وذلك باعتبار أن الإباحة أوسع ميدان لجولان حرية العمل، كما يدل على مرونة الشريعة وقابليتها للتأبيد والدوام والخلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
المبحث الثالث: خطورة الإفراط في الاجتهاد المقاصدي »
ذكرنا في ثنايا هذا البحث أن اعتبار المقصد الشرعي في عملية الاستنباط أمر مهم للغاية، بل هو من الضروري الذي لا ينبغي الاستغناء عنه، إذ الحكم الذي لا يلتفت إلى مقصده وغايته وعلته يظل جسمًا بلا روح، وهيكلاً خاليًا من جوهره وكنهه وحقيقته.
غير أن التأكيد على هذا لا يعني المبالغة في استخدام المقاصد في الاجتهاد، ولا يفيد الإفراط بلا موجب، ولا الإقبال المتهور للعمل بالمصالح على حساب النصوص والضوابط والشروط الشرعية المقررة، وإنما يفيد كما هو معلوم التوسط والاعتدال، والأخذ بالعمل المقاصدي بمقداره وحدوده دون إفراط أو تفريط، ومن غير الوقوع في ما وقع فيه غلاة الظاهرية والحرفية الذين أهدروا الأقيسة والتعليل، وألغوا من دائرة الاجتهاد مصالح الخلق ومراعاة الأعراف والتطور واختلاف البيئات والأزمان والظروف، وما يتعلق بالوقائع والنصوص من حيثيات وقرائن وأمارات وملابسات، وغير ذلك مما يتوقف عليه الاجتهاد الشرعي الصحيح.