وفي آية الشعراء إنكار من نبي الله صالح × لثمود وقومه الذين أعرضوا عن دعوته وقد غرتهم الدنيا وفتنتهم بملذاتها ومادياتها, وفي قوله تعالى: (في ما ها هنا) " كناية عن قرية صالح ×، والسر في إيثار اسم الإشارة (ها هنا) لفت أنظارهم لفتا قويا لمظاهر النعم التي كانوا غارقين فيها، (آمنين) حال من نائب الفاعل – واو الجماعة وهو قسيم الترك في الإنكار, إذ ليس ما سلط عليه الإنكار هو الترك وحده, بل الترك المقرون بالأمن من كل المخاوف ".(1)
وفي آية العنكبوت إنكار علي من توهم من المؤمنين أنه يترك دون امتحان واختبار لمجرد أنه نطق بالشهادة، وفي قوله تعالى: (أحسب الناس) إيثار الماضي " لأن حسبان الذي سلط عليه الإنكار واقع متحقق, وإيثار (حسب) على (ظن) في هذه المواضع هو المناسب بلاغة في مقام الإنكار؛ لأن الحسبان أقوى من الظن, فالنفس مع الحسبان في اطمئنان, ومع الظن في قلق، وفي الناس مجاز مرسل؛ حيث أطلق العام المنتظم لجميع أفراد الناس, ثم أريد الخاص، وهم الذين حسبوا هذا الحسبان من المؤمنين ".(2)
وفي آية الإنسان يأتي الإنكار على من توهم أن يترك سدي, أي: لا يبعث(3)، والمقصود هنا إثبات المعاد, والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد. (4)
تبين مما سبق أن الفعل (يترك) جاء بصيغة المبني للمجهول؛ لأنه في موضع التوبيخ والإنكار, فيتطلب الذوق البلاغي ألا يذكر لفظ الفاعل تشريفا وتعظيما وتنزيها عن الذكر في مثل هذه المواقف, ومن شأن ذلك – أيضا – أن يتسلط الضوء ويلتفت الذهن إلى الحدث – وهو الترك – وأثره على أهله.
(1) د/عبد العظيم المطعني – التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم – 3/112.
(2) د/عبد العظيم المطعني – التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم - 2/112.
(3) السدي – تفسير السدي الكبير – تحقيق د. محمد عطار – الطبعة الأولي – دار الوفاء – المنصورة – 1993 – 486.
(4) ابن كثير – 3/541.