ولكن مع ذلك أشار القرآن الكريم ، ورمز ، ولوح ، إلى الحقيقة ، وفتح الباب للأفكار ، ودعاها للدخول ، بنصب أمارات وقرائن . فيا هذا ، إن كنت من المنصفين إذا تأملت في دستور (كلم الناس على قدر عقولهم)(15) ورأيت أن أفكار الجمهور ، لعدم استعداد الزمان ، والمحيط ، لا تتحمل ، ولا تهضم التكليف ، بمثل هذه الأمور ، التي إنما تتولد بنتائج تلاحق الأفكار – لعرفت أن ما اختاره القرآن من الإبهام والإطلاق ، من محض البلاغة ، ومن دلائل إعجازه . أما الجواب عن الشبهة الثالثة : وهو إمالة بعض ظواهر الآيات إلى منافي الدلائل العقلية ، وما كشفه الفن . فاعلم ، أن المقصد الأصلي في القرآن : إرشاد الجمهور ، إلى أربعة أصول هي : إثبات الصانع الواحد ، والنبوة ، والحشر ، والعدالة ، فذكر الكائنات في القرآن: إنما هو تبعي ، واستطرادي للاستدلال ، إذ ما نزل القرآن لدرس الجغرافيا والقوزموغرافيا ، بل إنما ذكر الكائنات للاستدلال بالصنعة الإلهة ، والنظام البديع على صانع النظام الحقيقي جل جلاله. والحال : أن أثر الصنعة . والقصد ، والنظام، يتراءى في كل شيء . وكيف كان التشكل فلا علينا إذ لا يتعلق بالمقصد الأصلي . فحينئذ ما دام أنه يبحث عنها للاستدلال ، وما دام أنه يجب كونه معلوماً قبل المدعي ، وما دام أنه يستحسن وضوح الدليل – كيف لا يقتضي الإرشاد والبلاغة ، تأنيس معتقداتهم الحسية ، ومماشاة معلوماتهم الأدبية ، بإمالة بعض ظواهر النصوص إليها ، لا ليدل عليها ، بل من قبيل الكنايات ، أو مستتبعات التراكيب ، مع وضع قرائن وإمارات تشير إلى الحقيقة لأهل التحقيق .
الإعجاز العلمي بين الحقيقة والوهم · الصفحة ٢٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الإعجاز العلمي بين الحقيقة والوهمص ٢٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي