فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ هُمْ أَحْيَاءٌ، فَكَيْفَ يَحْيَا الْحَيُّ؟ فَقَالَ الْمُظْهِرُ: قِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى تِلْكَ الرُّوحَ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، فَأَحْيَا ذَلِكَ الطَّيْرَ بِتِلْكَ الرُّوحِ، فَصَحَّ الْإِحْيَاءُ، أَوْ أَرَادَ بِالْإِحْيَاءِ زِيَادَةَ قُوَّةِ رُوحِهِ فَشَاهَدَ الْحَقَّ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا الْجَوَابُ أَيْضًا مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ أَيْ: لَا تَهْتَمَّ بِشَأْنِ أَمْرِ دُنْيَاهُ مِنْ هَمِّ عِيَالِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْضِي عَنْهُ دَيْنَهُ بِبَرَكَةِ نَبِيِّهِ، وَيَلْطُفُ بِعِيَالِهِ، وَلَكِنْ أُبَشِّرُكَ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْقُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَمَا لَقِيَهُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْمِنْحَةِ.
(" قَالَ: يَا عَبْدِي "): الْخَاصُّ (" تَمَنَّ عَلَيَّ ")، أَيْ: مَا تُرِيدُ (" أُعْطِكَ ")، أَيْ: إِيَّاهُ مَعَ الْمَزِيدِ (" قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً "). خَبَرٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، أَيْ: أَحْيِنِي حَتَّى أَسْتَشْهِدَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى لِيَكُونَ وَسِيلَةً إِلَى زِيَادَةِ مَرْضَاةِ الْمَوْلَى (قَالَ الرَّبُّ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ ")، أَيِ: الْأَمْوَاتَ (" لَا يُرْجَعُونَ ")، أَيْ: إِلَى الدُّنْيَا بِحَيْثُ أَنَّهُمْ يَعِيشُونَ فِيهَا مُدَّةً طَوِيلَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا الطَّاعَاتِ، فَلَا يُنَافِي وُقُوعُ إِحْيَاءِ بَعْضِ الْأَمْوَاتِ لِعِيسَى وَغَيْرِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الشُّهَدَاءِ، وَمَعْنَاهُ لَا يَرْجِعُونَ بِالْتِمَاسِهِمْ وَتَمَنِّيهِمْ، فَلَا يُشْكِلُ بِشَهِيدِ الدَّجَّالِ أَيْضًا. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ أَيْ أَهْلَ أُحُدٍ أَوْ مُطْلَقَ الشُّهَدَاءِ، لِئَلَّا يُشْكِلَ بِقِصَّةِ عُزَيْرٍ (" فَنَزَلَتْ ")، أَيْ: فِي حَقِّهِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَلَا تَحْسَبَنَّ بِالْخِطَابِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا أَيْ: لَا تَظُنَّ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِالْغَيْبَةِ أَيْ لَا يَحْسَبَنَّ حَاسِبٌ (الَّذِينَ قُتِلُوا): وَفِي رِوَايَةٍ: قُتِّلُوا بِالتَّشْدِيدِ أَيِ اسْتُشْهِدُوا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ أَيْ لِلْمُجَاهِدِينَ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، أَيْ: وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ " (1).
(46)
(1) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ... » كتاب المناقب والفضائل ... » باب جامع المناقب» الحديث رقم 6246