: هِيَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُشَابِكَةٌ لِلْجِسْمِ يَحْيَى لِحَيَاتِهِ، أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ بِمَوْتِ الْجِسْمِ عِنْدَ فِرَاقِهِ، وَقِيلَ: هُوَ بَعْضُ الْجِسْمِ، وَلِهَذَا وُصِفَ بِالْخُرُوجِ وَالْقَبْضِ وَبُلُوغِ الْحُلْقُومِ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَجْسَامِ لَا الْمَعَانِي، وَقَالَ بَعْضُ مُقَدَّمِي أَئِمَّتِنَا: هُوَ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُتَصَوَّرٌ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ دَاخِلَ الْجِسْمِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَغَيْرُهُمْ: إِنَّهُ النَّفَسُ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الدَّمُ، هَذَا مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا: أَنَّ الرُّوحَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُتَخَلِّلَةٌ فِي الْبَدَنِ، فَإِذَا فَارَقَتْهُ مَاتَ. قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفُوا فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ فَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَهُمَا لَفْظَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ. وَقِيلَ: إِنَّ النَّفْسَ هِيَ النَّفَسُ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ، وَقِيلَ: هِيَ الدَّمُ، وَقِيلَ: هِيَ الْحَيَاةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ تَعَلَّقَ بِحَدِيثِنَا هَذَا وَشِبْهِهِ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ الْقَائِلِينَ بِالتَّنَاسُخِ وَانْتِقَالِ الْأَرْوَاحِ وَتَنْعِيمِهَا فِي الصُّوَرِ الْحِسَانِ الْمُرَفَّهَةِ وَتَعْذِيبِهَا فِي الصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ الْمُسَخَّرَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا هُوَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَهَذَا ضَلَالٌ بَيِّنٌ، وَإِبْطَالٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ مِنَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: (حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ) يَعْنِي: يَوْمَ يَجِيءُ بِجَمِيعِ الْخَلْقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا. . .) إِلَخْ، هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي إِكْرَامِهِمْ وَتَنْعِيمِهِمْ إِذْ قَدْ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ثُمَّ رَغَّبَهُمْ فِي سُؤَالِ الزِّيَادَةِ، فَلَمْ يَجِدُوا مَزِيدًا عَلَى مَا أَعْطَاهُمْ، فَسَأَلُوهُ - حِينَ رَأَوْا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سُؤَالٍ - أَنْ يُرْجِعَ أَرْوَاحَهُمْ إِلَى أَجْسَادِهِمْ لِيُجَاهِدُوا، أَوْ يَبْذُلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَسْتَلِذُّوا بِالْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ " (1).
(40)
(1) شرح النووي على مسلم» بَاب بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» الحديث رقم 1887