(34)
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ، إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسِّ الْقَرْصَةِ " (1).
قَوْلُ مُحَمَّدٍ بِن عَلِيٍّ بِن سُلْطَان القَارِيِّ فِي شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الشَّهِيدُ): أَيِ الْحَقِيقِيُّ وَفِي مَعْنَاهُ الْحُكْمِيُّ (لَا يَجِدُ أَلَمَ الْقَتْلِ): وَفِي رِوَايَةٍ مَسَّ الْقَتْلِ ; أَيْ شِدَّةَ الْمَوْتِ (إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ الْقَرْصَةِ): وَفِي رِوَايَةٍ: مَسَّ الْقَرْصَةِ وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هِيَ الْمَرَّةُ مِنَ الْقَرْصِ، وَهُوَ عَضُّ النَّمْلَةِ الْإِنْسَانَ. وَقِيلَ أَخْذُ الْجِلْدِ بِنَحْوِ ظُفْرٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَرْصُ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَأَتَى بِأَدَاةِ الْحَصْرِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ يَتَصَوَّرُ أَنَّ أَلَمَهُ يَفْضُلُ عَلَى أَلَمِهَا، وَذَلِكَ فِي شَهِيدٍ دُونَ شَهِيدٍ، شَهِيدٌ يَتَلَذَّذُ بِذُلِّ مُهْجَتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ كَعُمَيْرِ بْنِ الْحُطَامِ وَإِلْفَاءِ ثَمَرَاتِهِ وَلِقَائِهِ الْمَوْتَ كَمَا مَرَّ وَأَنْشَدَ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارَ حِينَ قُتِلَ:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي ... وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ
شَارَكَ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
اه. وَالْمَعْنَى يُبَارِكُ عَلَى أَعْضَاءِ جِسْمٍ مُقَطَّعِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صُلِبَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقِصَّتُهُ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَأُسِرَ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ سَنَةَ ثَلَاثٍ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَاشْتَرَاهُ أَبُو الْحَارِثِ بْنُ عَامِرٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ قَدْ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا، فَاشْتَرَاهُ بَنُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، ثُمَّ صَلَبُوهُ
(1) مسند أحمد بن حنبل» مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ ... » بَاقِي مُسْنَد المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ / رواه أحمد، والترمذي وصححه الألبانى