تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)} (1)

قَوْلُ مُحَمَّدِ رَشِيدِ رِضَا فِي تَفْسِيرِهَا

" هَاتَانِ الْآيَتَانِ فِي بَيَانِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ حَقَّ الْإِيمَانِ، الْبَالِغِينَ فِيهِ مَا هُوَ غَايَةٌ لَهُ مِنَ الْكَمَالِ، وُضِعَتَا بَعْدَ بَيَانِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ، وَأَصْنَافِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقَصِّرِينَ، وَمِنْهُمَا تُعْرَفُ جَمِيعُ دَرَجَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا سِيَّمَا الْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ هَذَا تَمْثِيلٌ لِإِثَابَةِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بَذْلِ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِهِ بِتَمْلِيكِهِمُ الْجَنَّةَ دَارَ النَّعِيمِ الْأَبَدِيِّ، وَالرِّضْوَانِ السَّرْمَدِيِّ، تَفَضَّلَ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ بِجَعْلِهَا مِنْ قَبِيلِ مَنْ بَاعَ شَيْئًا هُوَ لَهُ لِآخَرَ، لُطْفًا مِنْهُ تَعَالَى وَكَرَمًا وَتَكْرِيمًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِجَعْلِهِمْ كَالْمُتَعَاقِدِينَ مَعَهُ كَمَا يَتَعَاقَدُ الْبَيِّعَانِ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمُتَبَادَلَةِ وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الْمَالِكُ لِأَنْفُسِهِمْ إِذْ هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا، وَالْمَالِكُ لِأَمْوَالِهِمْ إِذْ هُوَ الَّذِي رَزَقَهَا، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَإِنَّمَا الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ - لَهُ. وَقَدْ جَعَلَهُمَا بِكَرَمِهِ لَهُمْ، وَقَوْلُهُ: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) بَيَانٌ لِصِفَةِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى مَرْضَاتِهِ تَعَالَى فَيَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَيَكُونُونَ إِمَّا قَاتِلِينَ لِأَعْدَائِهِ الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ، وَإِمَّا مَقْتُولِينَ شُهَدَاءَ فِي هَذِهِ السَّبِيلِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِتَقْدِيمِ (يَقْتُلُونَ) الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِتَقْدِيمِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، فَدَلَّتِ الْقِرَاءَتَانِ عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ هُوَ أَنْ يُقْتَلَ بَعْضُهُمْ وَيَسْلَمَ بَعْضٌ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي الْفَضْلِ، وَالْمَثُوبَةِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِذْ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي سَبِيلِهِ لَا حُبًّا فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَلَا رَغْبَةً فِي اغْتِنَامِ الْأَمْوَالِ، وَلَا تَوَسُّلًا إِلَى ظُلْمِ الْعِبَادِ، كَمَا يَفْعَلُ عُبَّادُ الدُّنْيَا مِنَ الْمُلُوكِ وَرُؤَسَاءِ الْأَجْنَادِ.

(1) سورة التوبة

الحسنيان النصر والشهادة · الصفحة ٢٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحسنيان النصر والشهادةص ٢٠٠