تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِدَلَالَتِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَلَا نُكَفِّرُ مُسْلِمًا إِلَّا بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ لَا خِلَافَ فِي رِوَايَتِهِ وَلَا فِي دَلَالَتِهِ.

هَذَا - وَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِكُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَحْتَجُّونَ بِأَحَادِيثَ أُخْرَى هِيَ أَظْهَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَنْ تَكَلُّفِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَهَذَا الْحَدِيثِ، وَمَعَ هَذَا رَأَيْنَا جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ يُخَالِفُونَهُمْ فِيهَا. أَصْرَحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَفِي رِوَايَةِ " الشِّرْكِ " وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ يَعْنِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكُفَّارِ. وَأَصْرَحُ مِنْهُمَا حَدِيثُ أَنَسٍ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ.

وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ. وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَلَكِنَّ الْعِتْرَةَ وَجَمَاهِيرَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بَلْ يَفْسُقُ فَيُسْتَتَابُ، فَإِذَا لَمْ يَتُبْ قُتِلَ حَدًّا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ، وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ، وَحَمَلُوا أَحَادِيثَ التَّكْفِيرِ عَلَى الْجَاحِدِ أَوِ الْمُسْتَحِلِّ لِلتَّرْكِ وَعَارَضُوهَا بِبَعْضِ النُّصُوصِ الْعَامَّةِ، وَحَدِيثِ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِمَا يُفَسِّرُ أَوْ يُخَصِّصُ مَعْنَى الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ بِالْخَارِجِ الْمُقَاتِلِ، وَهُوَ: " وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ " وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ كُفْرٌ وَمُفَارَقَةٌ لِلْجَمَاعَةِ فَتَارِكُهَا لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَالْحَقُّ فِي الْجَوَابِ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي سِيَاقِ بَيَانِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَكْفُرُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَزْعُمُ بَعْضُ أَنْصَارِهِمْ حَتَّى مِنَ الْمُسْتَقِلِّينَ كَالشَّوْكَانِيِّ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ يَصْدُقُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْكُلِّيَّ كَالْجِنْسِ لَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، فَمَنْ أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ لَا يُعَدُّ

الحسنيان النصر والشهادة · الصفحة ١٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحسنيان النصر والشهادةص ١٦٥