عَقِبَ أَوَّلِ فَرِيضَةٍ تَرَكَهَا أَوِ الثَّانِيَةِ إِنْ كَانَتْ تُجْمَعَ مَعَهَا بِأَنْ يُجَدِّدَ إِسْلَامَهُ وَيُصَلِّيهَا، وَلَا يَدُلَّانِ كَذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِهِ حَدًّا كَقَتْلِ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، لَا يَدُلَّانِ عَلَى ذَلِكَ بِمَنْطُوقِهِمَا، وَلَا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ عَلَى الْقَوْلِ الْحَقِّ بِحُجِّيَّتِهِ، فَإِنَّ مَوْضُوعَ كُلٍّ مِنْهُمَا بَيَانُ مَا يُشْتَرَطُ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ الْمُحَارِبِينَ، لَا بَيَانٌ لِجُمْلَةِ الْإِسْلَامِ، وَمَا يُنَافِيهِ وَيُعَدُّ ارْتِدَادًا عَنْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُطْلَقٌ عَامٌّ فِي قِتَالِ كُلِّ الْكُفَّارِ، لَا فِي الْمُشْرِكِينَ كَالْآيَةِ. قُلْتُ: أَوَّلًا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ غَايَةً أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الْغَايَةِ الْعَامَّةِ، وَهِيَ إِعْطَاءُ الْجِزْيَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ نَاسِخَةً، وَلَا مُخَصِّصَةً لِلْآيَةِ لِاخْتِلَافِ مَوْرِدِهِمَا، وَهَذَا يُعَارِضُ عُمُومَ الْحَدِيثِ، فَيَتَرَجَّحُ حَمْلُهُ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَالْآيَةِ، لِيَكُونَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا مُحْكَمًا، وَكَانَ مِنْ فِقْهِ الْبُخَارِيِّ فِي أَبْوَابِ صَحِيحِهِ إِيرَادُهُ تَابِعًا لِلْآيَةِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ.
ثَانِيًا: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَارِدٌ فِي بَيَانِ الْغَايَةِ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا قِتَالُ مَنْ يُقَاتِلُنَا مِنَ الْكُفَّارِ. فَلَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ بَيَانُ مَا يَصِيرُ بِهِ الْمُؤْمِنُ كَافِرًا.
ثَالِثًا: إِنَّ قِتَالَ الْكَافِرِينَ غَيْرُ قَتْلِ مَنْ عَسَاهُ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُدَقِّقِينَ، فَالْقِتَالُ فِعْلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، وَالْقَتْلُ الشَّرْعِيُّ تَنْفِيذُ حُكْمٍ عَلَى مُجْرِمٍ ثَبَتَ عَلَيْهِ.
رَابِعًا: مَنْ أَرَادَ جَعْلَ هَذَا الْحَدِيثِ دَالًّا عَلَى غَيْرِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ مَنْ حُكْمِ رِدَّةٍ أَوْ حَدٍّ بِقَتْلِ مُسْلِمٍ، يُرَدُّ عَلَيْهِ إِعْلَالُهُ بِمَا يَنْزِلُ بِهِ عَنْ دَرَجَةِ الصِّحَّةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا مِثْلُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْعَظِيمَةِ الشَّأْنِ، وَهُوَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مِنَ الْغَرَابَةِ الْمُضَاعَفَةِ مَا اسْتَغْرَبَ مَعَهُ بَعْضُ نُقَّادِ الْحَدِيثِ تَصْحِيحَ الشَّيْخَيْنِ لَهُ مِنِ امْتِنَاعِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ إِيرَادِهِ فِي مَسْنَدِهِ عَلَى سَعَتِهِ، وَإِحَاطَتِهِ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ صَرَّحَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِاسْتِبْعَادِ صِحَّتِهِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِهِ مِنَ الْفَتْحِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خَرَّجَهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِتَوَاتُرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَهُوَ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ، ثُمَّ إِنَّهُ يُعَارِضُهُ نُصُوصٌ أُخْرَى مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَ بِهَا الْجُمْهُورُ