إن دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه وقومه إلى التوحيد مع سلامتها وقوة استدلاله عليها ، وحسن سياسته وحكمته واستقامة منهجه فيها لم تجد لديهم قبولاً لأن قلوبهم في غلاف من العناد والصدود واللجاج فلم تتفتح لدعوة الحق ولم تشأ أن تتقبلها ولأن عواطفهم متبلدة بل ممسوخة قد انحرف بها الهوى وتقليد الآباء وتحكم العادات السيئة عن الجادة والاعتدال فلم تتأثر بالحق ولم تجد لنفسها فيه لذة ولا راحة بل ذهبوا يجادلونه في الحق بعدما تبين ويهددونه ويخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء فلا يحمد العاقبة فما كان من إبراهيم عليه السلام إلا أن ثبت على الحق واطمأنت به نفسه وازداد إيماناً به فأنكر عليهم جدالهم إياه بالباطل وتخويفه من خطر آلهتهم مع أنها لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً ولا تدفع عنها بأساً وهو يركن إلى الركن الركين ويتوكل على رب العالمين قد أخلص له قلبه وأسلم له وجهه وقام بما أمره به من الدعوة للحنيفية السمحة فهو أحق بالأمن والسلام ممن هددوه وخوفوه لكن على تقدير أن يصيبه مكروه فهو من الله سبحانه ابتلاء وامتحاناً اقتضته حكمته وعدله قال الله تعالى : (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُون )وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون )الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) فعليكم معشر الدعاة أن تثبتوا على الحق في ميدان الدعوة وأن تصبروا على الأذى وألا تنخلع قلوبكم لكيد الكائدين وتهديد المعتدين : وتوكلوا على الله أسوة بخليل الرحمن
الحكمة من ارسال الرسل · الصفحة ٨٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الحكمة من ارسال الرسلص ٨٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي