قد كان قيس بن مسهر هذا في منتهى الشجاعة والجرأة، كما يتبين من هذه الحادثة، ولذا أرسله الحسين إلى الكوفة يحمل رسالته، ولا شك أن قيساً كان يعلم أن عبيد الله بن زياد حاكم الكوفة رجلاً شديداً قاسياً، قابضاً على زمام الأحكام بيد من حديد، كما كان أبوه، وكان الحكم بالقتل أو التعذيب متوقفاً على كلمة يتفوّه بها، ومع ذلك لمّا قال لقيس أن يصعد القصر، ويسب الحسين (الكذاب ابن الكذاب كما ادعى) صعد، وبدلاً من أن يسبه لينجو من الهلاك، مدحه ودعا الناس إليه، ولم يقتصر على ذلك وفيه مخالفة صريحة لأمره، بل لعن عبيد الله، وهو موقن أن بعد هذه الكلمات التي تفوّه بها الموت الزؤام، فأمر عبيد الله أن يرمي به من فوق القصر فرمي به فتقطع فمات رحمه الله.
قتل مسلم بن عقيل
رسول الحسين إلى أهل الكوفة
لما دخل عبيد الله بن زياد الكوفة، هدد أهلها بالقتل والسلب والنهب، وكان مسلم بن عقيل ابن عم الحسين حاضراً خطبته فانصرف وترك دار المختار والتجأ إلى دار هانىء، وسيأتي ذكر هانىء في باب قتل الحسين، فاختلف الشيعة إليه في داره فعلم بذلك عبيد الله بن زياد وكان شريك بن الأعور مريضاً في دار هانىء وكان شديد التشيع، شهد صفين مع عمار فأرسل إليه عبيد الله: إني رائح إليك العشية لأنه كان كريماً على ابن زياد، فقال شريك لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس اخرج إليه فاقتله، ثم اقعد في القصر ليس أحد يحل بينك وبينه، وفي الليل أتاه عبيد الله، فقام مسلم بن عقيل، فقال له شريك: لا يفوتنك إذا جلس، فقال هانىء بن عروة: لا أحب أن يُقتل في داري.
فجاء عبيد الله فجلس وسأل شريكاً عن مرضه فأطال، فلما رأى شريك أن مسلماً لا يخرج، خشي أن يفوته، فأخذ قول:
ما تنظرون بسلمى لا تحيّوها
اسقونيها وإن كانت بها نفسي
---
قال ذلك مرتين أو ثلاثاً، فقال عبيد الله: ما شأنه ترونه يخلط، فقال له هانىء: نعم، ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه، فانصرف.