28
به وجعه، ثم دعا نساءه فاستأذنهن في أن يمرض عند عائشة فأذن له، فخرج من بيت ميمونة يمشي بين رجلين أحدهما الفضل بن العباس والثاني علي بن أبي طالب عاصبا رأسه ويخط قدماه الأرض إلى بيت عائشة، واشتد به وجعه وجعل يشتكي ويتقلب على فراشه، وقال أبو سعيد الخدري: جئنا رسول الله فإذا عليه صالب من الحمى ما تكاد تقر يد أحدنا عليه من شدة الحمى، ولما ثقل جاءه بلال ليؤذنه بالصلاة فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. وكان عند رسول الله سبعة دنانير وضعها عند عائشة فقال: يا عائشة، ابعثي بالذهب إلى علي. فبعثت به إليه فتصدق به ثم أمسى رسول الله ليلة الإثنين في حرد
29
الموت ثم غشي عليه وهو على صدرها ومات من ذلك اليوم، وكانت وفاته يوم الإثنين نصف النهار لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة - الموافق 8 يونيو سنة 632م - وهو ابن ثلاث وستين سنة، وبلغ أبا بكر الخبر وكان بالسنح
30
فجاء وعيناه تهملان فقبل النبي
صلى الله عليه وسلم
وهو يبكي، وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا، وتكلم كلاما بليغا سكن به نفوس الناس وثبت جأشهم، قال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله عز وجل:
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ، فكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم، وغسله
صلى الله عليه وسلم
وعليه ثيابه علي والعباس وابناه الفضل وقثم، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة أدرج فيها إدراجا، وصلى عليه المسلمون أفرادا لم يؤمهم أحد، وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطى بها، ودخل قبره العباس وعلي والفضل وقثم وشقران، وأطبق عليه تسع لبن،
31
ودفن في وسط الليل ليلة الأربعاء في الموضع الذي توفاه الله تعالى فيه حول فراشه، وكانت مدة شكواه ثلاث عشرة ليلة، واختلفوا في عمره يوم مات؛ فقال ابن عباس وعائشة ومعاوية: كان عمره ثلاثا وستين سنة، وقال ابن عباس أيضا ودغفل: كان عمره خمسا وستين سنة، وقال عروة بن الزبير: كان عمره ستين سنة.
أخلاقه
صلى الله عليه وسلم
كان
صلى الله عليه وسلم
أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وكان أحسن الناس خلقا وخلقا، وألينهم كفا، وأطيبهم ريحا، وأكملهم عقلا، وأحسنهم عشرة، وأشجعهم وأعلمهم بالله، وأشدهم لله خشية، ولا يغضب لنفسه ولا ينتقم لها؛ وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات
32
الله عز وجل، فحينئذ يغضب ولا يقوم لغضبه شيء حتى ينتصر للحق، وإذا غضب أعرض وأشاح، وكان خلقه القرآن؛ فكان أكثر الناس تواضعا، يقضي حاجة أهله، ويخفض جناحه للضعفة، وما سئل شيئا قط فقال لا، وكان أحلم الناس، وكان أشد حياء من العذراء في خدرها، والقريب والبعيد والقوي والضعيف عنده في الحق سواء، وما عاب طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وكان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ويكافئ على الهدية، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويعود المريض، ويجيب من دعاه من غني أو فقير، ولا يحتقر أحدا، ويتكلم بجوامع الكلم، وكلامه بين يفهمه من سمعه، ولا يتكلم في غير حاجة، وكان متقللا من أمتعة الدنيا وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلها فأبى أن يأخذها، وكان كل ضحكه التبسم، وضحك في أوقات حتى بدت نواجذه، ويحب الطيب، ويمزح ولا يقول إلا حقا، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكانت معاتبته تعريضا، ويأمر بالرفق ويحث عليه، وينهى عن العنف، ويحث على العفو والصفح ومكارم الأخلاق، وكان مجلسه مجلس حلم وحياء وأمانة وصيانة وصبر وسكينة؛ لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن
33