كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا
صروف الليالي والجدود العواثر
وولي البيت بعد جرهم خزاعة ثم ولي البيت بعد خزاعة قريش، فحفر عبد المطلب بئر زمزم، ولما أرادوا هدم الكعبة هاب الناس هدمها، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدأ لكم به فأخذ المعول فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم إلى الأساس وأفضت إلى حجارة خضر، ثم جمعوا الحجارة لبنائها وبنوا حتى بلغ البناء موضع الركن، فأرادت كل قبيلة رفعه إلى موضعه حتى تخالفوا وتواعدوا للقتال ثم تشاوروا وجعلوا من بينهم حكما فكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وأخبروه الخبر فقال: إلي ثوبا، فأتي به فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه بيده ثم قال: ليأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا. ففعلوا فلما بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه.
ولما بلغ النبي
صلى الله عليه وسلم
أربعين سنة بعثه الله وأنزل عليه الوحي، وكان ذلك يوم الإثنين لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان في سنة عشرين من ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، وكان رسول الله قبل أن يظهر له جبريل عليه السلام يرى ويعاين آثار من يريد الله عز وجل إكرامه بفضله، وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة قومها بزمانه، وكانت الأخبار عن دلائل نبوته كثيرة.
وكان أول ما ابتدأ به رسول الله
صلى الله عليه وسلم
الرؤيا الصادقة، ثم حبب إليه الخلا؛ فكان يجاور بغار حراء
17
يتعبد فيه الليالي ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد أنت رسول الله، قال رسول الله: فجئثت
18
منه فرقا ثم رجعت فدخلت على خديجة فقلت: زملوني زملوني، ثم ذهب عني الروع فأتاني فقال: يا محمد أنت رسول الله. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من شاهق فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله، ثم قال: اقرأ، قلت: وما أقرأ؟ قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقرأت فأتيت خديجة فأشفقت على نفسي وأخبرتها خبري، فقالت لي: أبشر فوالله لا يخزيك الله تعالى أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل
19
فتقري الضيف وتعين على نوائب الحق.
20
ثم كان أول ما أنزل عليه من القرآن بعد «اقرأ» ن والقلم وما يسطرون، ويا أيها المدثر، والضحى، ثم فتر الوحي عن رسول الله فترة فحزن حزنا شديدا، فجعل يغدو إلى رءوس الجبال ليتردى
21
منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فيقول له: إنك رسول حقا، فيسكن له جأشه وترجع نفسه.
فلما أمر الله نبيه أن ينذر قومه عذاب الله على ما هم فيه من عبادة الأصنام دون الله تعالى، فكان أول من آمن به وصدقه خديجة بنت خويلد زوجته، ثم أول فرض فرضه الله عليه من شرائع الإسلام بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان؛ الصلاة، علم جبريل عليه السلام النبي الوضوء والصلاة وعلمهما النبي
صلى الله عليه وسلم
خديجة.
وأول من أسلم من الذكور علي بن أبي طالب وكان عمره تسع سنين، وزيد بن حارثة، وقيل: إن أول من أسلم من الذكور أبو بكر الصديق ثم بلال، وأسلم على يد أبي بكر: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، وأسلم أبو ذر وعمرو بن عنبسة السلمي وخالد بن سعيد بن العاص وزوجته هنية بنت خلف.
ثم أسلم عمر بن الخطاب وحمزة عم النبي، فقوي المسلمون بهما ثم تبعهما غيرهما كثير ممن اعتز بهم الإسلام.
لقد كانت الدعوة إلى دين الله مستترة ثلاث سنين، وبعد مبعثه بثلاث سنين أمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يصدع بما يؤمر وأن يظهر الدعوة عامة، وكان قبل ذلك لا يظهرها إلا لمن وثق به فكان أصحابه إذا أرادوا الصلاة ذهبوا إلى الشعاب
22
فاستخفوا.
واختلف الناس في وقت المعراج فقيل: كان قبل الهجرة بثلاث سنين وقيل: بسنة واحدة، وأما المكان الذي أسري برسول الله فيه فقد اختلف فيه أيضا، فقيل: كان نائما في المسجد في الحجر