تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهؤلاء لو علم الله فيهم خيراً، لهداهم. ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار، فلذلك خذلهم، فلم يهتدوا، فإشغالك نفسك غماً وأسفاًَ عليهم، ليس فيه فائدة لك، وفي هذه الآية (1) ونحوها عبرة:

فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ، والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف. فإن ذلك مُضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله، الذي كُلف به وتوجه إليه. وما عدا ذلك فهو خارج عن قدرته. اهـ (2).

9 - الإيمان بموعود الله، وأن الله ناصر رسله وعباده الصالحين.

فإن الداعي الموحد المتقي المخلص لربه وإن ضاقت عليه السبل، وصدت في وجهه الأبواب، ورمته الناس عن قوس واحدة، فمهما بلغت به الحال فإن الله ناصره ومؤيده والعاقبة له. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (3)، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (4). وموسى عليه السلام لما خرج ببني إسرائيل من مصر، و اتبعهم فرعون، ورأي بنو إسرائيل جيش فرعون خافوا على أنفسهم وقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾ (5) قال موسى واثقا بموعود ربه وأنه الله لا يخزي رسله أبداً ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾. ففرج الله عن رسوله هذه الشدة ونجى نبيه ومن معه من المؤمنين وأهلك فرعون وقومه الظالمين ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (6).

10 - الإنكار وإن كان قليلاً لا بد أن يعمل عمله في النفوس.

لا ينبغي للمسلم أن يترك إنكار المنكرات، ولا يقلل من شأن الكلمات القليلة، فإنها إن خرجت من قلب مخلص ناصح، يبتغي بذلك رضى الله، عملت عملها في نفس المنكر عليه. ولا أدل على ذلك من إنكار موسى عليه السلام لجموع السحرة التي جاءت بسحرها العظيم، لإطفاء نور الله، فقال لهم موسى عليه السلام: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾

(1). الآية السادسة من سورة الكهف.

(2). تفسير ابن سعدي (5/ 8 - 9)

(3). غافر (51)

(4). القصص (83)

(5). الشعراء (61)

(6). الشعراء (63 - 66)

الفوائد والعبر من قصص الأنبياء · الصفحة ٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الفوائد والعبر من قصص الأنبياءص ٣٢