أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) (1).
ت- إذا استبان للداعي حال المدعو من الصدود والإعراض فلا أسف ولا حزن عليه.
فالدعاة إلى الله، يدعون الخلق امتثالاً لأمر ربهم، وشفقة عليهم من أن تزل بهم الأقدام فيخسرون الدنيا والآخرة. والداعي إن استفرغ وسعه، نصحاً ووعظاً وتذكيراً بالله، ثم أصر المدعو على غيه وبطره، وأعرض عن الحق، فلا ينبغي حينئذ للداعي أن يأسف أو يأخذه الحزن كل مأخذ؛ لأن الحزن يفوت على الداعي أموراً كثيرة؛ بل قد يترك هذا الطريق لما يراه من إعراض المدعوين.
ونوح عليه السلام استمر يدعو قومه طويلاً ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)﴾ (2). ولكنهم أصروا على عنادهم واستكبارهم، ولما رأى نوح عليه السلام من قومه الصدود والعناد والاستكبار، بعد أن مكث يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، دعا عليهم ولم يبال بهم ولم يأسف عليهم: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)﴾ (3). فاستجاب الله دعائه وأغرق المكذبين من قوم نوح.
وفي قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (4). وقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (5).
يقول ابن سعدي: ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم، حريصاً على هداية الخلق، ساعياً في ذلك أعظم السعي، فكان صلى الله عليه وسلم، يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه صلى الله عليه وسلم، عليهم ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الأخرى. ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (6). وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وهنا قال ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلكها، غماً وأسفاً عليهم، وذلك أن أجرك قد وجب على الله.
(1). رواه البخاري واللفظ له (3231،) ومسلم (1795)
(2). نوح (4 - 9)
(3). نوح.
(4). الكهف (6)
(5). فاطر (8)
(6). الشعراء (3)