من الشّروط التي ذكرها بعض علماء الأصول للمفتي وهي جديرة بأنْ تذكر، أنَّ المفتي لا بُدَّ أنْ يكون ضابطاً لنفسه من التّساهل والتّرخُّص بغير دليل. وللتّساهل حالتان:
الأولى: أنْ يتساهل المفتي في طلب الأدلة والبحث عن النّصوص، فيأخذ بمبادئ النّظر وأوائل الفكر، غير متأمّل ولا متفحّص؛ بل متعجل ومتسرّع، ومتلقّف لِمَا وصل إليه أولاً من الأدلة والبراهين، من غير عميق نظر عند الخفاء، ولا ترجيح عند التّعارض.
والثانية: أنْ يتساهل في الأحكام بطلب الرّخص والتّأويل البعيد، والتّعلُّق بالأدلة الضّعيفة والشُّبه.
وأمَّا التّشدُّد والتّغليظ من غير دليل فيقصد به أنْ يتمسّك بظواهر الأدلة أو النّصوص، طمعاً في الأحكام المتشددة من غير دليل معتبر، ولا استشهاد مقبول (1).
وعلى المفتي في مقابل ذلك أنْ يكون ضابطاً لنفسه من هوى التّساهل أو التّغليظ، وعليه أنْ يتبع الأدلة والبراهين، مستعيناً بالعلوم المساعدة في استنباط الأحكام، دائراً مع الدّليل حيث ما دار، لا متكلفاً فهمه بحسب هواه أو مذهبه.
ومع أهمية هذا الشّرط الواضحة؛ فإنَّه يمكن أنْ يقال: إنَّ التزام المفتي لطرق الاستنباط والفهم والتّرجيح إلى غير ذلك من القواعد التي تعصم من
(1) () انظر: قواطع الأدلة في الأصول، 2/ 353، واللمع في أصول الفقه: للشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط/1، 1405 هـ، 1985 م، 1/ 127.